خلف النظارة السوداء لعباس كياروستمي، المخرج الإيراني، عالم من السحر والغموض. العينان، بالكاد تظهران، لكنهما، كما عيون الأطفال تختزن أيضا من العفوية والبراءة، ما لا تتوقعه عند اللقاء بمخرج تعرف مسبقا أن رؤيته الثاقبة غيرت ملامح في وجه السينما العالمية.

لم نسمع من قبل عن مخرج من إيران، حصل على التكريم والاعتراف الدولي، على مستوى صناع السينما والجمهور، كما حدث مع كياروستمي.

هذا رجل يعرف كيف تصنع الأفلام الخالدة، وبات يحصي الجوائز والتكريمات، كما يحصي عاشقان طيوراً من وراء نافذة، وهو المشهد الأخير في فيلمه البديع »نسخة طبق الأصل«الذي جاء معه إلى أبوظبي الأسبوع الماضي.

»أستاذ عباس، نحن من أشد المعجبين بأفلامك«، نقول له، في حديقة قصر الإمارات التي احتشد فيها نجوم العالم وصناع الأفلام والمهتمون ليل الجمعة.

يبتسم صاحب »طعم الكرز«، يبادر إلى المصافحة، ويستعد للأسئلة. إلى جانبنا مترجمته التي جاءت خصيصا من لوس انجلوس. هذه صبية غادرت إيران إلى أميركا قبل عشرين عاما، حيث تعمل اليوم مترجمة فورية، لكنها لم تغادر ولاءها لأبناء جلدتها:

»بعض الأفلام الهوليودية مثل بيت الرمل والضباب (هاوس اوف ساند أند فوغ 3002) يصيبني بالغثيان. يريدون ان يقولوا إن نهاية الشعب الإيراني ستكون الانتحار. هذا عار«.

على عكسها، لا يبدو المخرج راغبا بالخوض في السياسة. هو، في الأساس، لا يرغب في خوض مغامرات الحوارات الإعلامية.

قبل ساعات، كان قد ألغى مؤتمره الصحافي الذي كان مخصصاً لمناقشة فيلمه الذي حازت عنه بطلته الفرنسية جولييت بينوش جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان العام الماضي.

قيل إن عباس لا يحب الأسئلة الصحافية. قد يكون ذلك حقيقيا، وأية محاولة على »غوغل« تؤكد الأمر، لكنه يفضل أن يصنع الأفلام ويدع الناس تتكلم عنها: »أنا لا أستطيع ان اشرح عن أفلامي.

لا أتعاطف معها، أنا اصنعها ولا أتورط فيها عاطفيا. أنا تقني«، يقول، وقد مازحه أحد الأصدقاء الذي وقف إلى جانبنا يسأله: »ما المشهد الذي أحببته بشكل شخصي في فيلمك الأخير؟«.

تقتحم صبيتان »الوقفة«. تبدوان متحمستان. تتحدثان الانجليزية: »أعجبنا فيلمك، لكننا اختلفنا حول تفسير أمر واحد. هل الرجل والمرأة يعرفان بعضهما البعض مسبقاً. هل هما زوج وزوجة يلعبان لعبة إعادة التعارف. هل هما مطلقان؟«.

يبتسم مجددا، ربما تكون المرة المليون التي يسأله فيها احدهم هذا السؤال منذ عرض الفيلم لأول مرة قبل ما يقارب عام في كان. لكنه، بتواضع لافت، واحترام مؤثر لرأي الجمهور والمعجبين، يجيب كمن يستمع إليه لأول مرة:

»لا أعرف. أنا شخصيا لا أعرف«. ثم نقول: »المخرج الإيراني الذي سلمته الجائزة الليلة قال إن أفلامك جعلته يهتدي الى عشق السينما. بم شعرت؟«. يضحك قائلا: »هذا إطراء جميل«. يلتفت اليّ: »أنت من أين؟«. لبناني، أجيب، وأستغل: »هل التقارب بين إيران وبعض اللبنانيين يجعلك راغباً يوماً ما بصناعة فيلم عن هذه الحقبة؟«. »أنا لا أتكلم في السياسة«، يحسم الأمر: »ابني يحب بيروت، له عمل فيها أيضا«!