تشيلي. صحراء أتاكاما. الرجال يبحثون في الفضاء. النسوة في التراب. الرجال، الفلكيون، ينبشون في المجرة عن النجوم والنيازك، عبر مرصد فلكي، في مبنى أبيض، على قمة الجبل، ناصع البياض، كما الكفن، لكنهم يسعون خلف الحياة، فك شيفراتها واكتشاف أسرارها.
النسوة، أمهات المفقودين الذين اختفوا في عهد ديكتاتور تشيلي بينوشيه، ينبشن التربة، في الأسفل، بحثا عن بقايا تلك الحياة. رميم العظام. ذرات بيضاء تحللت من فك أو قدم، تكلست.
يمجاريف صغيرة حمراء، تشبه تلك التي يلعب بها الأطفال على شواطئ البحر، يبنون قصورهم الرملية ويهدمونها، تجول النساء في صحراء واسعة، وملغزة، كما هي الحياة وكما هو الموت.
يمشين تحت الشمس الحارقة، في النقطة الوحيدة من الأرض التي لا تطالها الرطوبة، ويبدون كما المتنزهات. مشيتهن بطيئة، الفكر سارح والعيون في الأرض. يتنزهن على هامش الحياة، وقد بلغن من العمر مدادا، لكنهن يرفضن العودة إلى البيوت والاستكانة.
كن ليفعلن ذلك منذ أكثر من عقدين، حين خرج الديكتاتور من الحكم في بداية تسعينيات القرن الماضي، ونبشت حينذاك المقابر الجماعية التي ارتكبت في عهده، تحديدا في منتصف السبعينات، حين قام بإخفاء وقتل أكثر من ثلاثة آلاف من معارضيه اليساريين، في عملية »كوندو« عام 1957، وهي الخطة التي أشرفت عليها الاستخبارات الأميركية التي دعمت انقلاب بينوشيه وساندت حكمه.
وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على كوندو، لا تزال الأمهات راغبات بنبش رفات أبنائهن:» حين وجدت قدمه، تعرفت إليها مباشرة من الجراب قرمزي اللون الذي كان يرتديه. حملت القدم ومن وهل صدمتي وضعتها في الصالة ونسيتها. كانت متعفنة، لكنني كنت أداعبها. هذا أخي الصغير«، تقول إحداهن.
»يعتبروننا مجانين في المجتمع التشيلي، نحن أمهات وأقارب المخطوفين، ينظر إلينا كأننا معتوهات. مصابات بالجذام. يقولون هذه قصة قديمة علينا أن ننساها. كيف ننسى؟. حين أخرج في الصباح، مع صديقتي، نبحث في هذه الصحراء الشاسعة، نكون مفعمات بالأمل، نعود في المساء والخيبة تملؤنا. لكننا في الصباح التالي، نعاود الاستيقاظ مع أمل جديد أكبر«، تقول الأم التي لا يزال الأمل يحيي طاقتها وهي قد تجاوزت السبعين من العمر.
الأمل هو الذي يحيك قصص النسوة في الأسفل، وحكايات العلماء في الأعلى. وهو الذي يحرض مخرجا وثائقيا هو باتريسيو غوزمن على الاستمرار في صناعة الأفلام التوثيقية التي تؤرخ لما حصل. هو نفسه اعتقل بعد الاطاحة بحكومة ينديه العام 1937 على يد الفاشيين، لكنه تمكن من الهرب من البلاد لاحقا. حقق ثلاثية وثائقية باسم »معركة تشيلي« سجلت الاضطرابات التي سادت البلاد بين أعوام 5 7 و79.
وأيضا »تشيلي ذاكرة عنيدة« و»قضية بينوشيه« و»سلفادور الليندي« و»صديقي جول فيرن« وغيرها من الأفلام، لكنه في فيلمه الجديد »حنين الى الضوء« يرتقي بقضية الضحايا الى عالم جديد ومؤثر. يلجأ الى لغة أوسع تحاكي الموت والحياة، ليست لغة الأرض ولا لغة السماء حكرا، بل لغة الكون.
