غداً، حين يعبق الريحان ويتوارى وجهك خلفه، سأستعيدك من اسطوانة «الدي في دي». لن يقول الرواة حكايات مضللة لم تمر على لسانك. كل شيء مسجّل. محفوظ. كاميرا الفيديو ستخلّد الزقاق، كما رويته، والصحراء، كما حكيتها، وأمك، كما أحببت أن تصفها. سأعتّق ذكرياتك يا أبي، في خوابي «الديجتال»، وأشكل لك الصورة التي أريد.
الأمر سهل. قرض من المصرف يموّل شراء كاميرا محترفة، تلتقط الحس والضوء واللون، كما الواقع وأجمل، وبضع زيارات سنوية للبيت الأول، وبوسع أي منا أن يخزّن أباه إلى الأبد. يغريني الأمر، واسميه «مشروعاً»، وتستهويك اللعبة وتسميها «جنون الصحافيين».
بين الجنون واللعب نتواطؤ معاً، ونتحايل على أكثر قوانين الدنيا صرامة: الفناء. أسألك عنه. عن الموت. تقول زهداً. تدّعي الشجاعة. تقول إنك «سترحل وقلبك مرتاح». تحكي عن الموت، بالسلاسة ذاتها التي تحكي فيها عن مشهد الطفل الذي يتلصص على صور الأفلام العتيقة في «سينما أمبير».
تهتز الكاميرا. أكتشف الأمر وأنا أراجع اللقطات، وحدي آخر الليل، كمخرج يتأكد أنه أجاد شغل الكادر المناسب. كطفل يتأكد من عودة أبيه إلى البيت. يرتكن إلى حافة النافذة ويعدّ السيارات، تأتي وتروح. يضيّع الوقت بإحصاء عدد المحركات التي هدرت، ريثما يطل طرف «الشيفروليه» الذهبية من بعيد، فيقوم صارخاً: «جاء أبونا.. جاء أبونا». أين الشيفروليه «موديل الـ 57»؟ خسارة.
بعتَها قبل أن أشتري الكاميرا. صار حمل ضرائب «الميكانيك» أقوى من قدرتك على الاحتفاظ بها، «وهي لم تعد تمشي بأي حال». لا تقلق، ربما نهتدي الى شبيهة في وقت لاحق. كما في الأعمال الوثائقية التي يُستعاد فيها مسرح الأحداث. لن تكون ذهبية، لكننا سنجعل اللقطة سوداء وبيضاء، فنتحايل.
وذلك الاهتزاز الذي نال من الصورة لثوان، في المشهد الذي كنت تشرب فيه الليموناضة وتحكي عن الموت، لن يكون في وسعي معالجته بالتحايل. بسلاسة تسرّب الموت الخبيث إلى الكاميرا، كما يتسرب العصير إلى فوهة القناني قبل تخزينه، فارتعشت يداي والصورة. لطالما هزتني صورة الموت الذي يتغلغل ببساطة إلى أنسجة تنبض بالضوء والهواء وقطرات الندى. تحزنني اللقطة.
لا أمحوها. على العكس، أدرب نفسي على أن أحبها. يوماً ما سأستمد من زهدك الشجاعة على تقبل الغياب. سيكون «قلبك المرتاح» أكبر من رعشة الخوف. دعني الآن أحاصر اللقطة المهتزة. مونتاج. ما رأيك بلقطة محمد فوزي؟ «مال القمر مالو، ما جيناش على بالو!». تغني. الكاميرا مثبتة خلف مقود السيارة. أنت تغني إلى جانبي وأنا أفكر في اللحظة التي سأستعيد فيها ذلك الصوت، بعد أن يشبّ الريحان بيننا. أنت تغني إلى جانبي وأنا استمع إلى صوتك صدى يأتي من صمت بعيد. عمق غابات سرية وأسراب حمام عجائبي تحوم فوق بحيرات صامتة.
أحرر اللقطة، وأبحث عنك في كادرات أخرى. في سيارة التاكسي، تدور الكاميرا. سائق التاكسي يختلس النظر إلى المقعد الخلفي عبر المرآة ويتأكد إن كان ذلك الرجل الذي يُصوَّر في سيارته «سياسياً» أو «وجهاً تلفزيونياً». ثم يكتشف اللعبة. المشروع. «الله يخليلك الوالد»، يقول ويبتسم للكاميرا. ذلك النورس الذي حطّ قرب قدمك في حديقة الخور، في دبي، ظل يشرب الماء بسكون، آمناً لا يهتز لدقائق. لربما ظنك شجرة، وأنا كظل أنام في فيئك.
ibrahimt@albayan.ae
