أكثر من مئة الف جهاز تدخل شهرياً إلى ميناء «لاغوس» النيجيري. ليست بحالة جيدة. انها قمامة. منها 57 في المئة تقريباً أجهزة تلفاز، ومعالجات كومبيوتر، وهواتف خليوية قديمة أو تالفة. هذه أرقام من دراسة أجرتها اخيراً «شبكة بازل للعمل» انتقدت فيها تحول أراضي افريقيا إلى مكب نفايات الدول المتقدمة، من فئة «القمامة التي لا يعاد تدويرها».

في أبيدجان، قبل سنوات، أعلنت وكالات الأنباء عن مرض أكثر من 70 ألف افريقي بسبب تنشقهم أبخرة سامة نتجت من قمامة ألقيت حول المدينة، وهو ما أسفر أيضا عن وفاة العشرات. في واقع الأمر، بعد أن تشددت الهند والصين في قبولها دفن الكترونيات دول الغرب المصنعة، لا تزال القارة السوداء تحتكر مهمة «زبلها» في اراضيها، التي صارت مشبعة بمحروقات الزئبق والباريوم السامة.تكفي هذه الحقائق، لكي تقرر المصوّرة الفرنسية، من أصول افريقية، صوفي الباز، أن تعلن صرختها في «مواجهة الفراغ».

مشروعها الفوتوغرافي، كناية عن خمس صور لمشهد واحد، لون كل منها بألوان النيغاتيف، استخدمت للدلالة على امكان «تحلل الكائن الافريقي واختفائه، اذا القي عليه المزيد من الزبالة». تقول الباز: «يتكلم عملي عن مهد الانسانية الملوث. القارة الافريقية التي صارت حاوية لقمامة العالم. الانسانية تتعرض للخطر». يلتف الرجل الافريقي بجلبابه وينظر الى عدسة المصورة، نظرة متعبة ولكن ثاقبة. يبدو كمن يتهم. بؤسه يجعله أكثر صرامة في توجيه الاتهام. «جا كوز» (اني أتهم) عنوان تستلهمه الباز من مقالة الروائي الفرنسي الشهير اميلا زولا التي كتبها في العام 1898 متهماً فيها ملك فرنسا بتدبير مؤامرة لسجن الضابط داريفوس.

«اني أتهم كل فرد منا، له مسؤولية خاصة تجاه ما يمكن أن يحل بمستقبلـــنا، جراء التــلوث المتنامي للبشرية، وتحديداً القارة السوداء».الرجل في جلبابه يتهم. لكنه لا حيلة له. سيتحلل من دون أن يسمعه أحد. الرجل المخدوع، المرأة المنهوبة، هي عناوين افريقية صارخة تفضحها باز في مواجهة العالم الذي يستولي على ثروات وخيرات افريقيا.الرجل قد يتحلل قبل تنفيذ توصيات كل المؤتمرات التي نقرأ عنها يوميا في الصحافة وتدعو الى توقف اعتبار العالم الثالث مقبرة نفايات اميركا وأوروبا. صوره «النيغاتيفية» الخمس، تشير الى ذلك. بالأحمر، يبدو مرة، كأنه غارق في بحيرة من الدم. بالأخضر، تخاله طالعاً من «هيروشيما».

من غبار الفناء. نقط سود تنفلش على مساحات الصور، فتعتقها، وتحيلها الى الفناء، في الوقت ذاته. كما افريقيا القديمة المهددة. التقطت الباز صورة لرجل خائف. متدثر. مخنوق.عبق النفايات يسمم صورة الباز، وتجلياتها النيغاتيفية. الفـــنانة سبق أن عالجت موضوعات انسانية مشابهة عبر صورها: «على الصورة أن تكشف ما لا نستطيع أن نقــوله». في عرض سابق، قبل تسع سنوات، عرفها الجمهور اللبناني في صالات بيروت وصيدا وطرابلس ودير القمر. آنذاك، حمل معرضها اسم «ذكرياتهن»، وصوراً لوجوه نساء من أجيال مختلفة. عرضت أيضاً في البحرين وقطر، وبغداد قبل عام واحد من غزو العراق: «سلسلة الصور التــي اعرضها في مشروع الرجل الافريقــي تبدأ بالشجرة النووية وتنتهي بمواجهة الفراغ».

ibrahimt@albayan.ae