ابن طنجة، الذي ركب الموج إلى ايطاليا مبكرا حيث درس الرسم، قبل أن يعلن ثورته على الوسائط التقليدية للصورة التشكيلية، نابذا المسند وسلطة الريشة واللون، هو منير فاطمي، الذي يشغل مع أبناء جيله وجلدته اليوم الأوساط الفنية العالمية بأعمالهم المبتكرة. معه عزيزة العلوي ووفاء الكرياستي ومحمد الزبيري وشروق حريش وشريف بنحليمة وفؤاد بلمين.
وقائمة طويلة من فناني المغرب الذين يقيمون في المجهر، بين المكسيك وأميركا وبلجيكا وفرنسا، ويسهمون في تشكيل صورة مشرقة عن العربي المبدع، في وقت عزّ فيه الإشراق وأكلت العتمة سمعتنا المشوهة.
تعرفت إلى أعمال فاطمي للمرة الاولى في »بينالي الشارقة« العام 7002، وتابعت أخباره معجبا ببعض نظرياته التي يطلقها محورا لفلسفة أعماله، بدءا من »موته الرمزي«، و»محو التذكر«، عناوين معركته مع الرقابة، مرورا بـ »تبا للهندسة« معركته ضد الأشكال الهندسية السلطوية وصولا الى عوالم موزاية الذي يشكف فيه عن الشكوك والالتباسات والرهبة التي تولدها صناعة »الميديا«.
عمله الذي قدمه في »البينالي« كان إعلانا عن »هلعه« من العيش في مدينة كبيرة، سريعة، وطاحنة. الفنان، الذي يرسم وينحت ويصور الأفلام ويبتكر التجهيزات، يخنقه الإيقاع السريع للمدينة، والزوايا الحادة التي تهيمن على نسيجها التشكيلي. كما أنه يعود في كل مرة الى موضوعه الأثير، وهو اتهام الميديا بوصفها آلة هدامة لنشر البروباغندا، تعمداً، أو الغوغاء التي لا معنى لها، هروباً.
في زيورخ، العام الماضي، جمع فاطمي عدداً من الكتب التي تجلّها البشرية، وتستمد منها نظريتها السلوكية، في ممارسة الطقس الفردي والديني والاجتماعي؛ جمعها كلها بشريط سلكي موصول الى متفجرة ناسفة.
حدد نموذج الإنسان المنتحر بذاك الذي تملأه أفكار دوغمائية لا يعمل تفكيره في ثناياها. انه، بلغة أخرى، المتطرف الذي يظن نفسه مؤمناً بما هو نهائي، وغير قابل للتشكيك. في تجهيز آخر، نرى صحفاً بدل الكتب. صورة جورج بوش على »ليبراسيون« الفرنسية، وعنوان يقول: »رجل المعركة«. المجلة، والكتب، تحت حزام لاصق موصول بصاعق في لحظة ما قبل الضغط. فالانفجار.
أوجد الفنان لغته الخاصة التي تقول كل شيء بصمت مفرط. ثلاث طاولات موضوعة في غرفة، كتب على جدارها الأبيض، كلمة »نادمون« بالإنجليزية، بأسود عريض، فيما ألصقت على جدار مقابل عشرات شرائط الفيديو، وقد رسمت أشكال أبراج بنائية معلّقة، وخرجت اسلاك سود من بطونها لتتدلى نحو أسفل.
الطاولات، تظهر مسطحة خالية للوهلة الأولى، الا أن الناظر الى ما تحتها سيجد مجسمات لأبراج مقلوبة وملصقة في ظهر الطاولة السفلي. »أسفل« هو عنوان هذا العمل الذي يرافقه عرض فيديو بعنوان »السقوط الى أعلى«.
لعل الطاولات، المقلوبة مجازاً، هي المساحات الخاوية التي يحاول الجميع الاجتماع اليها للاتفاق، فلا يمكنهم أسفلها الجلوس، ويظل كلامهم غوغاء لا معنى له »كالتنظير المتعلق بالدفاع عن البيئة«.
المعوّقات تكمن في ما هو أسفل كل النيات. تلك الغريزة اللامتناهية في البناء والارتفاع نحو الأعلى، من دون مراعاة أي قيم انسانية جمالية وأخلاقية. أبراج الفنان مقلوبة، كأنها مبانِ شيطانية لا تمت الى الإنسانية بصلة. الإنسانية، اليوم، كما يصورها فاطمي، خاوية ومنتهكة، و»نادمة«.
