في مثل هذه الايام، وقبل اربع سنوات، احتشد الآلاف من الإسرائيليين في ميدان رابين في مدينة تل أبيب للتظاهر ضد الحرب في لبنان. وقف رجل ابيض، له ملامح تشي بأصول روسية أو شرق أوروبية، يخطب في الحشود بحماسة وغضب جعلت نظارته تكاد تنزلق أكثر من مرة من فرط الانفعال.
كان يقول: »من أسوأ ما اتضح خلال الحرب الأخيرة هو الشعور مؤخراً بأنه لا يوجد هناك ملك في إسرائيل، وبأن قيادتنا جوفاء. إن قيادتنا العسكرية والسياسية جوفاء«.هذا الرجل هو ديفيد غروسمان، روائي اسرائيلي كرمته أعلى هيئة نشر في المانيا قبل أيام، على هامش معرض »فرانكفورت للكتاب«. اذ منح اتحاد الناشرين الالمان غروسمان جائزة »السلام«.
يقال إن الرجل بعد فقدانه لابنه الذي كان مجندا لقتل الأطفال في قرية قانا بجنوب لبنان ومدينة بنت جبيل في حرب صيف تموز (يوليو) 6002، هو الذي حوله الى داعية للسلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
في المحصلة، كتب روايته »ابتسامة الحمل« التي نشرت في ألمانيا وكتب اسمه بالخط العريض على غلافها، وكان هذا شرطه لكي يطأ أرض المحرقة:» لقد رفضت لسنوات عديدة الذهاب إلى ألمانيا، وذلك بسبب المحرقة، ذلك أنني وجدت صعوبة في السفر إلى هناك وسماع اللغة الألمانية.
لكن عندما بدأت بممارسة العمل الأدبي في إسرائيل، وجدت نفسي أقول بأنني يمكن أن أكون في ألمانيا إذا ما شاهدت اسمي على عنوان كتابي هناك، لأن من أسوأ ما تم ارتكابه خلال المحرقة برأيي هو قتل الناس دون الإعلان عن أسمائهم. هذا لا يطاق بالنسبة لي«، يقول لـ »دوتشيه فيليه«. وكثيرة هي الأسماء التي باتت حكومات المانيا وبريطانيا والسويد، ومنظماتها، تمنحها لمبدعي »السلام«.
أو، لكي نتحرى الدقة، لمبدعين يحملون شعارا اسمه »سلام« فيه من النسبية واللامبالاة والرومانسية احيانا، ما يفوق المعاني الجوفاء التي تحدث عنها غروسمان في ساحة رابين.
وفي وقت تحتاج فيه اسرائيل الى تحسين صورتها لدى الرأي العام الغربي، بعد سلسلة من الأحداث التي عطبت »وجهها الديمقراطي المسالم« بدءا من حرب غزة مرورا بحادثة اسطول الحرية التركي وصولا الى احراق المساجد في فلسطين والتعنت في الاستمرار ببناء المستوطنات وهدم بيوت المسنين والأطفال العرب على رؤوسهم بجرافات »كاتربيلير«.
في هذا الوقت تحديدا تحتاج اسرائيل الى مزيد من الجوائز. تحتاج الى اشهار بأنها دولة سلام، تأوي مواطنين يطلبون السلام. تحتاج الى عنوان في صحيفة تصدر في برلين أو لندن او باريس يربط بين كلمة اسرائيل وكلمة »سلام«.
تحتاج الى اشباه غروسمان، وجوه »مبدعة«، ونظيفة، تغوي الغرب بالسلام الاسرائيلي، بقدرة المواطن الاسرائيلي على الصفح ومسامحة »قاتله«.
يقول غروسمان:» ارفض أن أشعر بالكراهية والرغبة في الانتقام، لأن شعوري بالغضب سيبعده عن ابني أوري«. أوري القتيل. في مكان ما، بعيدا جدا عن كنيسة القديس بولس الالمانية التي تسلم فيها الأديب جائزته وذرف دمعة على روح ابنه، كانت أم فلطسينية تنتحب ولدها الذي دهسه مستوطن اسرائيلي بعجلات سيارته مستمتعا كطفل يدهس نملة.
هي لا تستحق أي جائزة. هي لا تستحق أي عنوان في صحيفة تصدر في برلين. هي فلسطينية. هي عربية.
