رأسي ثقيلة، وهناك تحجر في عينيّ. الفلبينية في المصعد، لاحظت ذلك. لم تقل شيئا، لكنها ابتسمت كعادة الناس في المصاعد. أشقياء وسعداء، فقراء وأغنياء، يبتسمون ربما لمغالبة رهاب التعلق بين الأرض والسماء، أو رهاب حشرة الزوايا الضيقة، بما يترتب على ذلك.

في المصعد الخلفي للبرج كثير من صناديق النفايات الموضبة بعناية، وقليل من العاملين والعاملات، الضئيلة أجسادهم وأجسادهن. في صندوق ما، بعض من نفاياتي أيضا.

ورقة خربشت عليها أفكارا فقيرة تومئ الى اعتزالي الكتابة عما قريب. اعتزالي الغرام سبق ماجدة الرومي بسنوات. أيضا، خاطرة أرسلها احد المتحمسين، تبدأ بوصف حبال الغسيل المنشورة على سطح القمر، وتنتهي بكوب البوظة المثلجة الذي »استمتع به من يد حبيبي«.

الشاب متحمس، و»جريء«، وقد يكون »طليعيا«، ولطالما شجعته على نشر ديوانه الأول، لكي أتلذذ بحرقه فيما بعد، كما أفعل مع كثير من الكتب حين تتخلص مكتبتي منها. المهم أن رأسي لا تزال ثقيلة، والفلبينية تشجعت بالسؤال عن برك الاحمرار التي تسبح فيها عينيّ، بعدما مازحتها قائلا: »عذرا، لقد اهتدينا الى مصعدكم أيضا لكي نصادر منكم مساحات اضافية®.

عذرا فلا يمكنني استقلال المصعد الرسمي، حيث الناس يتحدثون بعشر لغات في متر مربع واحد. لا أستطيع أن أحتمل فضاءات العولمة، حين تكون محشورة على هذا القدر المربع، كما أنني أقدر صمتك«.

لا ادري ان كانت قد فهمتني. الواضح أنها لم تفعل. والواضح أنني كنت أتكلم بالعربية، وكانت هي تبتسم. ثم تجرأت. سألتني. كسرت حاجز الصمت، فقلت لها إن عينيّ تختزنان من البؤس ما يقدر على اغراق العالم كله بالدم. لونه والرائحة. سكتت، لا أظنها فهمت، أو هي خافت أن تفهم. فقد كنت أتكلم الانجليزية.

رأسي ثقيل، وفي أسفله، أعلى الرقبة، ثمة ما يكمشني ويحرضني على الانحناء. فنجان القهوة يحرضني على الوقوف. دواء مخدر يحرضني على احتمالية ذبحة قلبية متعجلة وأوهام وذكريات.

رف الحمام المحلق أعلى البرج، الى تلك النقطة التي تضيء وتختفي في الليل، كما الأفكار الساهدة، يحرضني على الطيران. حقيبة السفر أيضا، وأغان عتيقة من رومانيا وأرمينيا وحلب وسان باولو. تلك الوجهات المرتقبة، تحرضني الآن على احتمال العيش. نشرة الأخبار اللبنانية تحرضني على حفر القبور، في الأسفل.

أن أصير جبران أو حفاره أو قبره. أن أذوب في قبر للكتابة، وقبر للشعر وقبر للحب. أن أقرأ أدونيس باستمرار »قبر لانجلترا®. قبر لنيويورك®. قبر لانجلترا®. قبر لنيويورك«. رأسي ثقيلة، كأن ستين صندوق نفايات أنيقة تجثم فوقها. كأنني ذلك السجين المدعو الى حفلة القريدس المغمّس بالكريما البيضاء. كأنني ذلك المعولم الذي يعلم ولا يعلم.

كأنني ذلك الحزن الذي يغرق فيّ وأغرق فيه. يضخ الأسيد الى معدتي فأغرق فيه. يسرّب الدمع الى محاجري فأغرق فيه. يغريني بكثير من الصمت والتحسّب والترهّب. فأغرق في شبر الحزن، كأنني في المحيط.