«رسائل بحر» فيلم داوود عبدالسيد، كنا نتوقعه العام الماضي في أحد مهرجاني «دبي» أو «أبوظبي» السينمائيين، لكنه سيحل هذا العام على عروضات «الأفلام الروائية» في «أبوظبي السينمائي». ولعل عبدالسيد، العائد إلى السينما بعد أكثر من سبع سنوات، استسلم خلالها لكآبة المبدع، الذي حين يفقد البوصلة يختار العزلة، لم يجد غير البحر ملاذاً أخيراً، لكي يرسل لنا رسائل الحياة منه.
في «رسائل البحر»، الذي عرض تجارياً في صالات مصر، في «مهرجان برلين السينمائي الدولي»، ضمن العروض الخاصة للمشتغلين في الصناعة.. يكمل صاحب «الصعاليك» و«الكيت كات» و«سارق الفرح» و«أرض الخوف» رواية النوستالجيا إلى المفقود. الحنين الموجع إلى الجميل الذي بهت لونه. إلى الحنو البشري، البدائي الكامل في دواخل كل واحد منا، والذي تراكمت طبقات من الغبار الاجتماعي فوقه، حتى كاد يذوب.
مونولوج مستمر وذكي، لأحد رواد سينما المؤلف في عالمنا (لا نبالغ حين نقول العالم)، لا يتوقف عبدالسيد عن إدارته مع نفسه، على لسان شخوص قصصه. هذا الرجل، المشغول بقضايا الناس، مهموم بالدرجة الأولى بمأزقه الوجودي، وتواصله مع الخارج. أليس هو القائل يوماً، في معرض حديثه عن الأسباب التي دفعته لكي يترك وظيفته الأولى كمساعد مخرج، ويتحول إلى إخراج السينما التسجيلية: «أنا لا أستطيع أن أركز في مشروعات لا تتعلق بي. أفقد طاقتي تماماً، وشغفي، حين لا يمسني، شخصياً ما أعمل عليه».
هكذا، ففي نورا (بسمة) ويحيى (آسر ياسين) وقابيل (محمد لطفي) وكارلا (سامية أسعد) يكمن داوود نفسه، أو لعلهم يقبعون فيه. في تأملات ذاتية، متفردة، ونادراً ما نصادفها في سينما العرب، يجري شخوص داوود حوارات مع أنفسهم، ومع الجمهور. يتحدثون، بعبارات صاحب «أرض الأحلام» و«مواطن ومخبر وحرامي»، عن قوانين الغواية والرغبة (للمصادفة عرض برلين فيلماً سابقاً للإسباني بيدرو المودوفار يحمل الاسم ذاته في صالة مجاورة)، عن ذلك الألم الذي يعصر قلب امرأة تعيش في مؤسسة الزواج حالة «مومس»، عن تلك الطيبة الدافقة التي تخرج من عينيّ قابيل، الذي حكم عليه المجتمع بصورة «الفتوة»، القاسي، لكونه فقط، ضخم الجثة.
قابيل، الطفل الضخم، سيجري عملية لنزع ورم قرب الدماغ، قد تفقده الذاكرة تماماً، لذلك يجلس مع حبيبته بيسة (مي كساب) ليسرد عليها كل تفاصيل حياته، لكي تعيد بدورها سردها عليه، فيما لو فقد الذاكرة. مشهد عفوي يعكس عبقرية مخرج - كاتب، في مقاربة القضايا الكبرى المأزومة. ربما يشعر المشاهد بداية بضيق واستفزاز غير مفهومين إزاء يحيى، شخصية الفيلم الرئيسية. شعور يتبدل سريعاً إلى توهان وخوف. قبل أن يحل الاستسلام والتماهي. فيحيى هو الطيب الذي يعيش فينا ونرفضه، أو نخاف من إعلانه. هو الطفل الذي فقدناه، يوم فقدنا البراءة.
هو التواصل الذي عز علينا، بعد أن هدمنا بيوت الجيرة وبنينا مكانها مراكز تجارية ورحّلنا أصدقاءنا «المختلفين» على أقرب سفينة. وهو، قبل ذلك كله، قوة الحياة، والتمسك بالأمل، والنضال من أجل المعشوق حتى النهاية. من هنا، يتبدى أداء آسر ياسين، الذي نجح في إيصال كل تلك الأفكار لعقولنا وقلوبنا، إلى درجة الشغف وربما التأثر متمكناً وأصيلاً وعالي الجودة.
