«نشرات الأخبار تمرّ قرب الضحية، تختزل حياتها إلى رقم. أردت إن أقول أن لتلك الأرقام حيوات، أحلام، قصص، لم تنته لمجرد أنهم صاروا أمواتا، ونحن لا نزال أحياء. كل واحد منا معرض لتلك الصدفة في بيروت.

أن يموت، لا لشيء، سوى لكونه مرّ في بيروت».اتذكر كلمات المخرج الشاب علي حمود وأنا أراجع جداول برامج مهرجانات دبي وأبوظبي والدوحة السينمائية لهذا العام.

أتفقد لانبض السينمائي الشبابي اللبناني، الذي خفق بقوة في دورة »دبي السينمائي« العام الماضي، عبر فعالية خاصة بعنوان »سينما لبنانية«، فلا أجد الكثير. ربما هي المشاكل الانتاجية ذاتها التي يواجهها مشتهو صناعة الافلام في لبنان منذ أكثر من سبعين عاما.

ربما هو احباط المبدع اللبناني الذي قد بلغ الزبى نتيجة الحال السياسي المتأزم، بل المتدهور في البلد. ولكن، اليست هذه هي الاسباب الكفيلة لانتاج مزيد من التحدي وبالتالي مزيد من الابداع. المسألة معقدة، لكن فيلم حمود تحديدا، الذي حمّله اسم »عن اولئك الذين رحلوا« يعود الى ذاكرتي، كونه لا يفارق ذاكرة الايام البيروتية ماضيها وحاضرها. انه فيلم عن الموت المجاني في لبنان، الموت ضحية الصدفة وليس ضحية القضية.

لكن فيلمه المتمحور حول فترة الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان عقب مقتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، والتي اودت الى قتل مدنيين بالصدفة في مواقع الاغتيالات... لعل هذا الفيلم هو التذكار المفزع الذي يجسد واقع الشارع في لبنان، لدى كل تأزم سياسي.

نحن نستمع إلى شهادات محكية، من دون صور، لأهالي ضحايا شبان، قتلوا في إثناء مرورهم في مناطق التفجيرات البيروتية التي غمرت دماؤها شوارع بيروت، بدءا من اغتيال رفيق الحريري، وما تلاه من اغتيال سياسيين وشخصيات عامة. »المدنيون، كانوا هناك أيضا. مروا من هناك وقتلوا، لا نذكرهم كثيرا في الإعلام. أردت أن أنتصر لهم، لحياتهم وموتهم«.

ذلك الشاب الذي يضج حياة، ويدحرج الكرة ليل نهار، وينقذ ممثلة اعلانات كاد بحر بيروت أن يبلعها، ويستعد لمواجهة المنتخب الهندي، ويبني أحلامه بالحماسة والحب... مات في ملعب نادي النجمة، مع أصدقائه، أثناء تفجير موكب سياسي صودف مروره قرب جدار النادي. تلك الحبيبة، جاءت من ألمانيا، لتتزوج »ابن الحلال«، وتستقر في لبنان الذي لم تعرفه في طفولتها، فـ » قتلها في عز الشباب«... قصص كثيرة رواها الأهالي وكاميرا حمود التي ركزت على شوارع بيروت طوال الفيلم، الشوارع حيث الموت المخبأ للأبرياء.

استحضر مشاهد الفيلم، ومضمونه وكلمات مخرجه، وأنا اتفقد الموت الآتي في افلام لبنان التي تعرضها المهرجانات، فلا أجده، واحمد الله، اذ يكفي أن نشرات الأخبار تتكفل بضخ روائحه في قلوبنا كل مساء.

ibrahimt@albayan.ae