«هذه نجاة. وهذا الحب المنقوش على الكفين. وهذا الصوت الشجي الذي يصلك بالهمس واللمس». أجبت حين سألتني: لماذا تتحيز لنجاة؟ وكيف تصف صوتها. صوتاً عرف كيف يصنع للكلمات لوناً ورائحة وشكلاً وعبقاً يتسرب إلى الأحاسيس، ويقيم في زواياها العميقة والشفافة.

صوت مجّد الكلمات وصنع نجاحها. ألم تكن نجاة إحدى النوافذ التي أطلت منها كلمات نزار قباني على الناس مبكراً؟ «متى ستعرف» و«أسألك الرحيل».. وغيرهما. ألم تكن مميزة في تسريب القصيدة الشعرية الحديثة إلى المذياع والميكروفون؟ في «لا تكذبي»، سطرت نجاة تحت اسم الشاعر كامل الشناوي خطوطاً بالأحمر. لا نقول إنها صنعت هالة الشاعر، لكنها كشفت الستار عن تلك الهالة، فأوصلت تعابير مثل «كوني كما تبغين لكن لن تكوني، فأنا صنعتك من هواي ومن جنوني، وقد برئت من الهوى ومن الجنون».. إلى ابن الشارع العادي، ذلك المترجل على الرصيف يدندن «الهمس واللمس»، وذاك القاعد على كرسي في المقهى يجزم «إني رأيتكما... إني سمعتكما».

حين وقفت تلك الفتاة الصغيرة على المسرح، كان عنقها أقصر من الميكروفون، وكانت الصحافة الفنية تسأل عمن ينقذ الطفلة من المهمة الشاقة وعناد الأب في جرها إلى دنيا الغناء. غنت لمحمد عبدالوهاب، فانتبه إلى موهبتها قبل أن يتبناها ويظل إلى جانبها، تنهل من موسيقاه المجددة، حتى أيامه الأخيرة. توافق صوت نجاة الطربي، بخامته الحساسة المتميزة، مع لغة عبدالوهاب الموسيقية التي لم تحد يوماً عن الإيغال في العمق، على الرغم من شكلها وأدائها العصريــــين.

وكـــأن صوت نجاة هو الوردة الــتي يسربها نهر من الماء الرقراق إلى مناطق مهجورة في دواخلنا. إلى أمكنة غير مكتشفة، عذراء، أو ظننا أن اليباس طاولها. بعد سنوات، فتح الموسيقار أمام تلميذته خزانته لتغرف منها ما تشاء. «محلاها عيشة الفلاح»، «يا مسافر وحدك وفايتني».ثم كان لابد من بليغ حمدي، المجنون العشريني العابث الذي اقتحم عرين أم كلثوم.

كانت نجاة تحتاج بدورها إلى ذلك الجنون. في نهاية الستينات، كان العالم كله يبحث عن فضاءات أكثر رحابة واتساعاً. انتفضت الأفكار والأيديولوجيات التحررية والجسد. وعرفت صاحبة «ساكن قصادي» كيف تتكيف. عزف عمر خورشيد على أوتاره الكهربائية ألحان «أنا بعشق البحر»، وصارت تتخلى في مرات عن التقليد الطربي بإعادة «الكوبليه» ثلاث مرات.

صارت أغنيتها أرشق، كما الكلمة التي لم يتوان بليغ حمدي عن كتابتها، متنكراً باسم «ابن النيل». كمال الطويل رافقها أيضاً حتى «لا تنتقد خجلي الشديد»، آخر قصيدة غنتها نجاة للشاعرة الكويتية سعاد الصباح، قـبل أن تــقرر الاعتزال في قمة مجدها. ظلت نجاة قوية. سيدة المسرح وقيثارة الغناء. صوت مخملي أبى لظروف كثيرة أن تخدشه.

رفضت أن يخترق الناس خصوصياتها. دافعت عن حياتها الخاصة التي كانت تضيق أكثر لمصلحة الفن الذي أفنت له لياليها والساعات. لا يزال صوت المطربة الكبيرة محفوظاً في ذاكرة الجيل الذي رافق نشأتها، ولكن أيضاً جيل الشباب الذي يشتري أشرطة أغانيها والأسطوانات، ويسرح مع صوتها إلى فضاءات من الحرية والحنان و«تقديس» الحب في زمن... عز فيه الحب!

ibrahimt@albayan.ae