»أقدم أشجار العالم تنقرض«. عنوان في الصحيفة. خمسة آلاف سنة تهددها فطريات خبيثة وخنفساء، يقول الخبر. أشجارنا، أشجار الحياة، حين تنقرض، تموت معها الحكاية والأسطورة والحكمة.
تموت سيرة الجنيات المعلقات في قمم الأشجار في غابات منسية لم يطأها البشر. يحملن مزامير ويتنقلن من غصن إلى آخر كدخان الفجر الأبيض. أصداء الموسيقى تصل الى كوخ بعيد، بعيد جدا، فيترك الشاب المدفأة ويتبع الصوت مخدرا، ينزلق الى النهر، ويغبّ من مائه، كمن يشرب حليب الأرض.
الجنيات يتقافزن فوقه، ثم يحملنه الى قمة الشجرة، التي لها من العمر خمسة آلاف سنة، فيتحول الى تذكار معلق كمنارة التائهين وأمل المحبطين. حين تموت أقدم الأشجار، تموت أساطير الفرسان الذين ارتموا عند جذوعها، في استراحة بين معركتين، أو لقاء غرامي بين موتين، أو خطة شرف بين ذلّين.
الفرسان يذهبون، يتحللون، والسبب خنفساء تنخر، وفطر مسموم. وتبكي العجوز أن لا ثمار تدلفها السماء اليها بعد اليوم، وتبكي الطفلة أن لا »استغماية« تلعبها بعد اليوم، ويفزع الرجل أن لا حطب يدفئ قلب أطفاله في الشتاء.
ويصيب دوار مؤرخ الطبيعة ان لا علامات على الماضي السحيق تسجّل الحياة، ويشتاق الحبيب الى عطر فوّاح بعد أول شتاء يبلل الشجرة، عطر يقول لمن يحب إنه يشبه رائحة جلدك.
وحين تختفي أقدم الأشجار، لا يعود للقمر حكاية، فهو فاقد للذاكرة، يشع ولا يحفظ، يضيء ولا يختزن، يكتمل ولا يكتمل. لطالما راهن القمر القديم، القديم جدا، على الشجرة القديمة لكي تحفظ حكايته. حكاية الفضة المنثورة على الجروح والأحلام والأوهام التي تنبت بعد منتصف الليل.
وذلك الناسك الذي يلتحف الجذور ويستظل الأغصان وينصت الى موسيقى الماء تتسرب في العروق، تبدد الخنفساء عرشه، فتصعقه الشمس، ويموت ومعه الحكمة. ما أحوجنا الى الحكمة.
نسحقها كل يوم ونغرق في بحر الدم والجوع. نلعنها كل لحظة ونبتلع الوهم والخديعة. نهرب منها ونرتمي في أحضان الحماقة والجهل. الحكمة مع الناسك، والناسك مع الشجرة، والشجرة هدتها الخنفساء، والخنفساء في القلوب المعتمة والأفكار الرطبة، في الشر الذي لا يستكين ولا يهدأ إلا والرقاب متكسرة والعيون مترهلة والآلام ملتهبة.
في أقدم الأشجار، إرث العصافير والفراشات والنحل، ذاكرة طائرات الأطفال الورقية، وتمائم العشاق، ودعوات الأمهات لعودة الابن الضال والزوج الغائب، وصلاة مقهور، ونسمة على وجه المخنوق وأوكسيجين، وثمرة الجاذبية تسقط فوق نيوتن، فتطير الطائرات وتحلق المناطيد، وإلهام الفيلسوف يسقط، فتنجلي المعرفة ويكتب تاريخ الأخلاق والحب والجمال. في أقدم الأشجار، حياتنا، فلماذا نسمح للفطر أن يصحبها إلى الزوال؟!. لنفتش عن الخنفساء في قلوبنا، نقتلها، قبل أن تقتلع أقدم الأشجار!
