متوتر طوال الوقت. بوسعك أن تلتقيه على رصيف متجلد في برلين، أو مقعد قريب من صالة السينما في »مول الامارات« في دبي، لكنه دوماً محاط بغيمة من دخان السجائر، وبأقارب ومعجبين، وربما أيضا منتقدين. محمد الدراجي، المخرج العراقي الشاب، خرج ذات يوم شتوي من صالة السينما التي عرضت أول فيلم في مسيرته »أحلام«، بدمعة وغصة وأمل.

الدمعة انسابت من ذلك الألم الذي تركته مشاهدة الفيلم في قلوب الجمهور، وهو كان بينهم. بغداد في وقت القصف الأميركي، مدينة للخراب والأشباح والمجانين. قصة عروس تبحث عن رجلها وسط المتفجرات.

المدينة جنت، الجدران، الطرقات، المقاهي، الجسور، الأنهر، فهل أقل من أن يجن التائهون ويتوه المجانين. أذكر أن الجمهور خرج حزينا، مثقلا بكم من دراما الأسى، وقليل من الضجر، ربما، لطول الفيلم.

لكنه أيضا، وتحديدا الخبير منه، كان قد استشف لتوه ميلاد مخرج موهوب، متمكن من أدواته التقنية والجمالية والفنية. البعض سأل ان كان ما شاهده فيلما خياليا أم وثائقيا، اذ ان الدراجي من هواة تشغيل الكاميرا في الزمن والمكان الحقيقيين، وإن بحبكة خيالية. كما أنه من الذين يستعينون بأشخاص لم يسبق لهم التمثيل لكي يجسدوا أدوارا قريبة من حكاياتهم الشخصية، أو مماثلة لها، في أفلامه.

بعد عامين ونيف، عاد الدراجي الى الامارات، وإلى شاشة مهرجان أبوظبي، وقدم فيلمه »ابن بابل«، الذي جال فيه في مهرجانات عالمية وحصد الجوائز. بدأ في فيلمه الثاني أكثر نضجا، واقترابا من العمق الإنساني الذي تجسده شخصيات العراق الحزينة.

هذه المرة، الأسى لا علاقة له بالاحتلال الأميركي، وإنما بجرائم النظام البائد، في قصة مؤثرة لسيدة تبحث عن ابنها في السجون والمقابر. قال لي الدراجي بغضب، على خلفية نقد وجه له في الصالة من أحد المشاهدين:

»هناك الكثير لكي يوثق بعد عن جرائم صدام، هذه هي فرصتنا لكي نشتغل عليه. لقد خرسنا زمنا طويلا، وعلينا أن نبوح اليوم، وهذا لا يعني موافقة أو تجاهلا لمأزق الاجتياح ثم الاحتلال الأميركي«.

بدا المخرج غاضبا من اختزال الفعل السينمائي، مضمونا وتقنية، وهو ما يفني فيه جهده وأيامه، في ربط سياسي متعجل. هذا ما واجهه أيضا، لدى عرض الفيلم ذاته في مهرجان برلين فبراير الماضي.

لقد كان لافتاً وجود وزيرة حقوق الإنسان العراقية أثناء عرض الفيلم وربط بثه برسالة مسجلة لرئيس وزراء العراق نوري المالكي، الأمر الذي ولّد الاستياء عند بعض النقاد، وتحديداً العرب، الذين لم يفهموا رغبة الدراجي بربط فيلمه برسالة سياسية.

إلا أن الدراجي أوضح بعد ذلك أن عرض الفيلم في برلين جاء في لحظة متوازية مع إطلاق حملة وطنية للتفتيش عن المفقودين، ونبش المقابر الجماعية التي صنعها الرئيس السابق صدام حسين، »لذلك كانت الرسالة المسجلة لها معنى، ولا علاقة بها بدعم الفيلم«، الذي يتناول موضوعاً متعلقاً برسالة الحملة.

الدراجي حاضر في موسم المهرجانات الجديد بفيلم جديد، لن يقل جدلية عن سابقيه. »في أحضان أمي«، عنوان الفيلم، الذي ننتظر أن نستطلع أي وجه لبغداد يعرض الدراجي من خلاله هذه المرة.