اذا ما أقر البرلمان الفرنسي التعديلات المقترحة على قوانين الهجرة والاقامة في »بلد الأنوار« فستكون هذه القوانين قد تغيرت أكثر من خمس مرات في السنوات القليلة الماضية.

هذا حراك اجتماعي وسياسي تجد فيه السينما الفرنسية مساحة كبيرة للتحرك، ويجد فيه مخرجو هذه السينما قماشة جذابة للإدلاء بآرائهم وتوجيه الشارع.

هل الشارع فعلا في مواجهة مع الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي حين يتعلق الأمر بقوانين تمدد فترة حبس المعتدين على الشرطة من المهاجرين، وتنزع عنهم الجنسية، وتضاعف الغرامات على مرتكبي خطط »الزواج الرمادي« الذي يعني زواجا صوريا يربط بين الفرنسيات والمهاجرين لتوفير أوراق الاقامة لهم؟

هل فعلا الشارع الفرنسي ليس منساقا الى موجات العنصرية ضد الأجنبي التي ما فتأت تغرق شوارع العواصم الغربية طوال عقد؟

لا يمكن الجزم باجابة عن هذا السؤال، وان كانت افلام فرنسية كثيرة ظهرت منذ بزوغ العهد الساركوزي تدلل على أن المثقف الفرنسي، وكما هو متوقع، يرفض التضييق على حياة المهاجرين ويدعو الى التعاطف معهم.

السينما الفرنسية اذا على مفترق طرق، فهي، بوصفها مؤسسة شعبية، ليس من الضرورة، في هذه الحالة، ان تكون عاكسا حقيقيا لنزق الشارع، وبالطبع فهي ضد النزق السلطوي.

هذه الحالة تنطبق على مجموعة من الأفلام شاهدناه العام الماضي تؤكد حق المواطنة الكامل لمن يحمل الجنسية الفرنسية، وحق الانسانية الكامل للمهاجر الذي لفظته بلاده مبلولا برحلة العذاب وملح الأحلام على الشواطئ. مهرجان دبي السينمائي، عرض في احتفالية خاصة بالسينما الفرنسية العام الماضي طليعة تلك الموجة من الأفلام.

شاهدنا »نبي« للمخرج جاك أوديار، وكذلك »أهلا وسهلا« لفيليب يوري وأفلاما قصيرة أخرى مثل عام »الجزائر«، وكلها تنتصر لأفكار المواطنة. لعل فيلم يوري، بنسيجه الانساني والاجتماعي، هو الأقرب الى نبض الشارع بين تلك الأفلام. نشهد فيه قصة مراهق كردي، حلّ في فرنسا، في رحلة هدفها الوصول إلى محبوبته المقيمة في لندن. هو، في سبيل ذلك، يريد ان يتعلم السباحة، أن يقطع قناة المانش الخطرة بين فرنسا وبريطانيا، سباحة.

سيجد مساعدة من مدرب سباحة فرنسي يعيش خيباته العاطفية مع زوجته، وتأخذنا الأحداث إلى علاقة انسانية راقية بين الشخصين، يواجه بها الفرنسي مجتمعه، بدءا من الدائرة الصغيرة المتعلقة بالجيران والمعارف، وصولا إلى مستويات أعلى من القوانين التي تمنع مساعدة اللاجئ، بحجة تشجيعه على خرق القوانين. يتعاطف المشاهد مع عذابات اللاجئين، من دون أن يشعر بأنه وقع في فخ الابتزاز العاطفي.

ينتهي الفيلم بخاتمة مأساوية، لعلها تحذر من الآتي إلى المجتمع الفرنسي، اذا انساق إلى الخطاب الساركوزي المتطرف. »نبي« أوديار، الآتي الذي أثقل بعدد كبير من الجوائز في فرنسا وخارجها، فهو يتعرض لحياة مهاجر يواجه قسوة السجن، ويتمكن من الانتصار على المافيات الكورسيكية.

حذر هذا الفيلم من طريقة الإدارة الماكيفالية للسلطة، إذ إن الضحية قد يتحول إلى جلاد، والسحر قد ينقلب على الساحر، ومن هنا يحمل »نبوءة« تستحق التأمل بها.

مع افتتاح موسم جديد للمهرجانات بين أبوظبي ودبي والدوحة، نضع أعيننا على سينما فرنسا.