شرخ في الجدار لا يدلف مطرا ولا نملا. فوق وسادة نومي وأحلامي وكوابيسي ماثل لا يتعمق ولا يتمدد. شاهد على الهذيان وكلام الليل وضجيج التلفاز، لكنه صارم لا يتدخل.

ربما لكونه شرخ، جرح على جدار أبيض، لا فرصة له في المشاركة. اراقبه كل صباح. أتخيّل براعم ياسمين تبزغ من خطه المتشعب كما الأعصاب في الجسم. براعم تطل فواحة لتقول:» صباح الخير، يومك عطر« .

في مساحات الاستيقاظ الملتبسة مع النوم القلق، يتبدى لي كأنه خط في كف اليد. يسمونه خط الأيام. أسترجع كوابيس العارفين والعارفين. بائع السجاد غريب الأطوار الذي قابلته قبل خمس سنوات في دبي، والذي وجهه لا يزال يحفر معان في ذاكرتي، حدد انقطاع ذلك الخط بعمر الثلاثين ونيّف.

ضحكت آنذاك، فأنا من أصحاب شعار »كذب المنجمون«، لكن ضحكي لم ينفه من كوابيسي. وجهه، ينعكس على شرخ الجدار فأخاف، ويندفع هذياني صارخا:» لديّ ست سنين بعد«.

ثم أصحو مستعيدا وعيي، وأفكر: ماذا يفعل مريض السرطان حين يخبرونه عن آخر يوم في روزنامة أيامه؟ ويجرني السؤال الى عشرات القصص والأفلام التي قرأتها وشاهدتها عن هذه الحالة.

أضحك حين أتذكر فيلما فرنسيا يجمع البطل فيه، وقد علم بنبأ موته القادم، كل الأشخاص المقربين منه، من أهل واصدقاء وزملاء عمل ومعارف، ويقرر أن يفاجئهم في ذورة عشاء حافل، بأن يصرح بما يكنه، حقيقة، في أعماقه تجاه كل واحد منهم.

بأن يسقط الأقنعة، بما أنه سائر على درب الفناء، ولو لمرة واحدة. أتخيّلني على كرسيّه، واصير، أستعرض وجوه الشخصيات التي ارغب بدعوتها الى عشاء مماثل. ست سنوات فقط، وعليّ أن أتخذ هذا القرار بأسرع وقت ممكن.

أحيانا، في ساعات اليقظة والتيقظ، أتخيّل شرخ الجدار نهرا على خارطة. غابة استوائية، تنضح نباتاتها بألوان حارة وشرسة وصارخة. ألوان حقيقية. انا لا أحب »البهتان«، ولا يزال اللون الرمادي قاتلي الأبدي. مع البني تصالحت وأسود الشؤم خارج قاموسي وقانوني.

يأخذني الشرخ الى الغابة الدغلية البرية المحمية، بعيدا عن الناس والابتسامات والياقات والالتزامات والمواعيد. كما »انتو ذا وايلد«، فيلم شون بين المؤثر، يخرج البطل الى البرية، الى الحرية، ولا يعود. هل أعود؟ هل يتلعني هذا الشرخ على الجدار فوق الوسادة؟ هل اذوب؟

ثم، في أوقات الكآبة، لا يتبدى الشرخ بغير وجهه الحقيقي. الكآبة ترده الى كونه جرحا لا يندمل. كما في القلب، كما في المعدة لا تقوى عليها أقراص دواء. ماثلة موجعة وأبدية. تصنع الحكاية وتحركها صوب الفناء. الجرح- الشرخ فناء ينتظر!