لا يضحكني عادل إمام، وليسامحني جمهوره العريض، الذي أحترم ذائقته. لكنه، أضحكني جداً الأسبوع الماضي، وعلى غير العادة. فإذا صحت التصريحات المنسوبة إليه عن احتقاره لعمل النساء في السينما، و«التزامه» الديني والاجتماعي الذي يمنع ابنته من دخول مجال التمثيل، فهذه أكبر نكتة سمعتها منه، وأشد تأثيراً من «أنا اسمي مكتوب» و«أنا غلبان».. ولن أخوض في سياقات تهاجم انفصام «جمعة الشوان» وتصريحاته التي لا تتلاءم مع صورته السينمائية والأفكار التي يعبر عنها في أعماله.
فهذا لا يحتاج إلى إيضاح ولا تحليل، ويكفي مراقبة سلوكيات النجم في أعماله تجاه المرأة وحبكة القصص التي تجمعه مع البطلات، لكي يتبدى لنا حجم النكتة الصارخة. لكنني أتساءل عن توقيت هذه التصريحات ومعناها. وعلينا في معرض الاجابة عن هذه التساؤلات أن نتفحص جداول إيرادات الأفلام الأخيرة لإمام، والتي لم يلق جزء كبير منها النجاح المتوقع، الأمر الذي نقله مباشرة من نجم الشباك، الى ما خلف العتبة. ثانياً، هناك تواجد جذاب لعدد من الكوميديين الشباب.
مثل أحمد مكي وأحمد حلمي، اللذين وجدا المعادلة الصعبة في تلبية ذائقة جماهيرية في الشارع المصري والعربي، تحتاج الى الكوميديا، وربما التهريج، من دون أن تبقى حبيسة مواضيع سمجة ومكررة ومسطحة، على غرار كوميديا قدمها امام في زمن مضى، وكانت متوافقة مع ذائقة جمهور منغلق وإدراكه محدود. حلمي ومكي يجسدان فكر شباب اليوم، وحس النكتة لديه، وطريقة كلامه و«البادي لانغويج» (طريقة التصرف) أكثر بكثير مما تسمح به قدرات «سيد الشغال» العمرية وحتى الفنية. لذلك قد تكون التصريحات التي نسبت إلى عادل إمام مفيدة جداً، لإعادة تسليط الأضواء عليه.
هذه الأضواء التي باتت تظلل مسيرة نجوم شبان. ثالثاً، وهذا يعيدنا قليلاً إلى منطق الانفصام، فإن تعليقات إمام تعبر عن أزمة حقيقية يعيشها «المبدع» العربي، تتمثل في رغبته بأن يكون نسخة طبق الأصل عن شخصية جمهوره في الشارع. أي أن المبدع العربي (التعميم غير واجب هنا) يريد أن يكون نخبوياً وشعبوياً في الوقت ذاته. منفتحاً ومنغلقاً في غرفة واحدة. جريئاً وخائفاً في مشهد واحد، أو ورقة واحدة، أو على منصة واحدة.
العقلية العربية الذكورية تنتج في عالمنا رجلاً يكيل بمكيالين، ويمارس مع نساء الجيرة والشارع الخلفي والجامعة والعمل، ما قد يودي به إلى جريمة شرف إذا ما علم أن أخته أو ابنته أو ابنة عمه تفعله. إنه الرجل ذاته الذي يأبى على ابنه أن «يعاكس» ابنة الجيران، لكنه لن يتقاعس عن الفعلة ذاتها، وهو جالس على المقهى مع الشلة «بتاعتو». إنه كذلك المبدع، الذي على شاكلة حنان ترك أو محمد منير، يقرران الخوض في تجربة سينمائية تتعرض لأحد أكثر الموضوعات حساسية في الثقافة العربية.
وهي ختان الإناث، كما في فيلم «دنيا»، قبل أن يعاودا الانقلاب على عملهما ويتبرآ من الفيلم ويجلدا مخرجته ويشنا حملة غريبة عليها بتهمة أنها «عنصرية». كثر من مبدعينا في العالم العربي، على شاكلة عادل إمام، طواويس ذكورية تحتاج إلى تأهيل نفسي!
