في الطريق، نحن في امرة القانون. فعل القيادة ليس نزقاً شخصياً طالما هو فعل عام، يطال سلامة الحياة واستمراريتها. «الرادارات»، «اشارات السير الحمراء»، الكاميرات المتنقلة، حراس لسلطة القانون.

هذا ليس قانون المرور فقط، اختزاله على هذه الشاكلة، ينفي البعد المواطني عن مسؤولية القيادة. العقد الاجتماعي بين المواطن ودولته، حامية المكان الذي يعيش فيه وضامنة الأمان في الزمان الذي يحياه.

نقود سياراتنا اذ نرمي أقدامنا على المكابح، ندوّر أصابعنا حول المقاود، نرج عجلاتنا مع ايقاع الموسيقى الصاخبة عند المستديرات، ملفوفين، دوما، بهذا العقد الاجتماعي. ثم نواجه تلك العبارة. لافتة صفراء بحروف سوداء بارزة. بالعربية والانجليزية تقول:» اذا لم تكن قيادتي آمنة الرجاء الاتصال على الرقم الآتي«.

عبارة كفيلة بأن تحرضك على لعب دور الشرطي في أي لحظة. تضع سلطة وان لحظوية في يديك. الآن، أنت صاحب القرار، لا الكاميرا والا الاشارة الحمراء ولا الرادار. بوسعك أن تتصل برب العمل الذي لا يثق بالقدرات القيادية، أو الضمير المهني، لسائقي حافلات الشحن أو باصات نقل العمال أو سيارات الأجرة العامة ، وتعلن عن شكواك.

أنت الآن الملك، الزبون مجددا، وليس »الضحية« التي تنتظر أن يبتلعها بريق فلاشات الرادار، أو إمرة حراس المرور. أنت تحت السلطة وهي في يدك في الآن ذاته. ماذا تفعل؟

لديك خياران: اما أن تتجاهل الدعوة، وتسامح السائق ان ارتكب فعلا هفوة لا تستحق العقاب، أو أن تترصد لكل اهتزاز خفيف يصدر عن عجلات سيارته يقوده سنتيمترات قليلة بعيدا عن الطريق القويم، وتشغل هاتفك وتتصل مشتكيا، وربما مبالغا، ومفتعلا أجواء حربية. ثم تقفل الخط وتستريح، ها قد مارست سلطة اليوم، ولو على الطريق.

ثم تصل الى عملك. أنت مهندس أو طبيب أو رجل علاقات عامة، ولديك مدير بريطاني، على سبيل المثال لا الحصر، من النوع الذي لا يجيب على مكالماتك في »الويك آند«، كونه مقدسا كما تاج الملكة، حتى لو كانت طارئة وتعبر أصلا عن انغماسك أنت في العمل أثناء »الويك آند«.

وهو من النوع الذي يعتقد أن كل الموظفين أبناء جلدته من حقهم مغادرة مكاتبهم عند الساعة السادسة الا خمس دقائق، كي يكونوا في سياراتهم تمام السادسة وقت انتهاء الدوام الرسمي، اما أنت، ولأنك من »جلدة أخرى«، فلا مانع أن تشرب النيسكافيه على طاولة مكتبك في العاشرة مساء، أمسية الخميس.

تصل الى عملك، وتقرر أن تحاجج وتعترض، من دون جدوى، فتشعر انك مقهور ومحبط وقليل الحيلة وواهن »الجلدة«، وتتذكر اللافتة الصفراء، وشكواك على السائق الهندي أو الباكستاني، وتشعر بقليل من الارتياح. ها أنت ما زلت قادرا على أن تقهر أحدا، أيضا.

ثم تتصل بك حبيبتك، وتقول إن المصرف أوقف البطاقة الائتمانية لأنها تجاوزت بتسوقها »الليمت«. وأن عائلتي »ستزورنا قريبا«، فحبيبتك من عائلة مترابطة كما في »عائلة زيزي« وحديثا »عائلة ميكي«.

ورغم انك تعبان وزهقان وجوعان من أكل »الدليفري« كون حبيبتك لا تجد وقتا للطبخ، لن يكون بوسعك أن »تفش خلقك«، وستربط لسانك وتملأ فمك ماء. في اليوم التالي، ستبحث عن سيارة بلافتة صفراء، وتدعي أن سائقها دهس قطة واقتلع شجرة!

ibrahimt@albayan.ae