»الى أم ميدو في المنصورة وشيماء في طنطا وتسلم في موريتانيا وناهد في اليمن وسيد الوادي في السودان®. أهدي اليكم أحلى التحيات من أحمد عبد الصبور، ورقم هاتفي هو®.«. يسردها عاطف علي صالح على أثير اذاعة »مونت كارلو الدولية« ضمن برنامج طرب.

صوته الرخيم وهو يعيد تحيات المستمعين بأطيب منها، يعيدنا الى زمن مضى. زمن سابق ل»الفيس بوك« و»تويتر« والبريد الالكتروني والرسائل التي كخلخال لا يفارق أقدام الشاشات التلفزيونية الفضائية.

يكرر التحية الى عبد الصبور، ويصفه بأنه مستمع ذي قلب كبير، لكي يتسع لكل هؤلاء الأصدقاء في مناطق مختلفة من العالم. أولئك، في تلك اللحظة التي كنت أقود فيها سيارتي على شارع الشيخ زايد في مدينة دبي، يبدون قريبين للغاية من خيالي.

لا شك أن أم ميدو سمعت تهنئة عبد الصبور، وفرحت وهي تنظر من نافذتها المطلة على الغيطان الواسعة في قريتها الصغيرة في المنصورة. تستمع الى الراديو، الى صوت عاطف، وتطمئن أن بقرتها ترعى في الحقل، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فهي تخاف عليها من الحسد لذلك لا تسرحها في النهار.

أما ميدو، فربما يكون في »أجا« يطعم أطفاله »البليلة« في محل »الفخراني«، فيما يتباهى أمام القاعدين على كراسيهم، بالتحية الطالعة من المذياع. وناهد في اليمن، تتذكر صورا عن ايام جمعتها مع عبد الصبور، وتتمنى أن تعود، ويروق البال والحال في اليمن السعيد.

سرح بي خيال الأثير، ممزوجا بصوت المذيع، الى عوالم مختلفة، وصرت ارسم ملامح الشخصيات وحكاياتها. ابن موريتانيا، ربما يكون التقى عبد الصبور في احدى التظاهرات الحاشدة التي جرت أيام مجازر اسرائيل بحق شعب غزة.

ربما ضربا معا، أو اعتقلا، أو اكتفيا بشرب اليانسون لتطرية الحناجر التي بحت. الخيال يسرح بعيدا، واسماء، بدت غريبة بالنسبة لي مثل »تسلم« او تركيبات تحتوي على لفظ الوادي، تعيدني الى مناطق بعيدة جدا، ووديان بعيدة جدا، في كوبا تحديدا، في »بيناليس«، حيث سحر الوادي الذي لم ارَ مثله في حياتي.

لكنني أمني النفس بزيارة قريبة الى السودان، الى وديان الخير والطيبة والمحبة. أغنية وائل كفوري »برد وثلج« استراحة بين محطات الاسماء.

أستغرب ورودها في باب الطرب، ثم أنتبه أنها باتت قديمة، وأن ايقاعاتها، رغم أنها تفتقر الى النضج ويسيطر عليها ضجيج الفولكلور اللبناني، فيها من الطرب الذي بات مفقودا في اغاني كفوري نفسها اليوم.

هل سوف يتفاعل »ابن الوادي« مع كلمات الأغنية »برد وليل ورعد وريح، صرت عندي مسجونة«، هل تثلج في واديه، كما على جبال لبنان ربما أغنية وردة التالية، أكثر شهرة لجمهور مونت كارلو الدولية في بلدان مثل اليمن والسودان والجزائر وموريتانيا.

»وحشتوني وحشتوني وحشتوني« تصدح بصوتها الذي لطالما وجدت فيه قوة أكثر مما لمسني فيه الشجن. انا، في هذا السياق، متحيّز الى نجاة وليلى مراد، حين يتعلق الأمر بالحناجر الدافئة.

»لماذا يصر بشر على نشر أرقام هواتفهم كاملة على الملأ«، أقول وأنا أستمع الى صوت عاطف يردد الأرقام بتمهل كأنه ينقشها على حجر. وأحن الى عهد مضى، الى براءة التواصل وسحره قبل زمن »الفيس بوك« و»تويتر«.