يزداد الوضع اللبناني تعقيدا، في ظل اختلاف القيادات السياسية والحزبية على كل شيء، بدءا من الدستور وصولا الى »المعمول« (حلوى رائجة في لبنان وتختلف باختلاف المناطق والمذاهب).
وفي هذه الظروف، يزداد الاقتصاد ترديا، وفرص العمل ذبولا ومعنى المواطنية تندرا، كما النكتة.
وتتشكل البيئة الخصبة من أجل انتاج مزيد من الفن »الشعبوي«، الذي يعكس ردة حقيقية الى »التراث« و»الفولكلور«، من حيث هو حنين الى أيام ولت، فيها من الخير والبركة مما لم يعد متوافرا في زمن الاقتتال السياسي (حتى زمن الاقتتال الحربي لم يخل من الخير الاقتصادي المتأتي من المساعدات والاحسان وتمويلات الاحزاب الفلسطينية والسورية والليبية والعراقية والسعودية والايرانية®.).
هكذا، يصبح فارس كرم، بغنائه الشعبوي، نجما للساحة، يحرض في أغانيه على العزة والكرامة والرجولة وراحة البال، ويلقى هوى في نفوس الجمهور اللبناني، الذي يحب الاستستلام الى »غيبيات« و»ذكريات« و»آمال«، من دون أن يحرك ساكنا.
فهو يزجّل ويدبك ويغني، ويملأ الفضاء العربي والعالمي ضجيجا، لكنه لا يتحد من أجل مظاهرة تطالب بالخبز وفتح الأسواق أمام المزارعين الذين باتت محاصيلهم في النفايات، وإزالة كل تلك المزابل المكتومة عند عتبات المدن، التي كان يفوح منها زهر الليمون فيما مضى، وكف يد المنتفعين عن ملفات حيوية تمس حياة الناس وكرامتهم. وفي أحدث أغاني »الفارس الهمام« ترويج لشعار:
»المهم أن تكون الصحة بخير«. هذا الشعار، الذي هو في جوهره تستر على كل المآسي التي يعاني منها المواطن اللبناني، وتخدير لحقه في الاعتراض وحتى الانقلاب لو اقتضى الأمر.
تلك أغنية من نمط »اغاني البنادول«، التي تسكن الوجع ولا تذهب له. وهي نموذجية في زمن الانحدار وقلة الحيلة، وان كانت ذكرتنا ببعض الأغاني التي قدمها شيخ الملحنين سيد درويش في عشرينات القرن الماضي، والتي تتحدث عن الرزق والأمل والإيمان ورمي الحملة على الأقدار حتى لو لم يكن في »جيب ولا مليم«.
ولكن شتان الفارق، فأغاني درويش، هي أغان شعبية وطنية وليست شعبوية غيبية، والفارق هو في توافر الفكر والابداع في الأولى، وغيابها عن الثانية. تفيد أغنية كرم أنه طالما كانت »الصحة بخير« فلماذا الكآبة والاعتراض والاحباط.
طالما أن الشعب اللبناني يتمتع بالصحة، ومعدلات المرض والجرب في البلد هي الأكثر انخفاضا في المنطقة، ومافيات الدواء المرتبطة بالساسة والمخلصين معدومة، والطبقة المتوسطة (لم تعد موجودة أصلا) لا تترنح قهرا وذلا على عتبات المستشفيات، والفقراء »طوبي لهم«®. كلما هذه هي المعطيات، فلماذا لا نهلل ونزجّل وندبك بعزة الرجولة والكبر.
ويا ليته فعلا الواقع، لكنها مجرد كلمات مجانية، لا ثقل لها ولا التزام فيها. وأحيل القراء الى دراسة لخبير لبناني (حيادي) هو الدكتور بهيج عربيد عن الوضع الصحي في لبنان، يقول فيها إن 34% من المواطنين لا يملكون تغطية من أي من الجهات الضامنة، في حين أن نسبة الفقر تتجاوز مستوى 30%.
ويشكك في عدالة توزيع الخدمات الطبية التي يحتاجها المواطن حتى على المستفيدين من الجهات الرسمية الضامنة. وبعد كل ذلك نعزي أنفسنا ونخدعها بالهوبرة والضجيج طالما أن®. »الصحة بخير«!
