أضحكني كثيراً خبر نشرته صحيفة »اندبندنت« الانجليزية عن رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل، الذي تنوي مؤسسة يديرها حفيده بإصدار نسخة من هاتف »أي فون« بتطبيقات تختزن مقولاته وأفكاره ومآثره كونه »بطل الحرب العالمية الثانية«. الحفيد يقول إنه يريد للأجيال الجديدة في العالم أن تتعرف إلى هذه الشخصية الفذة.
وأقول إننا، في عالمنا العربي، لدينا الحاجة ذاتها، وأحرض على شراء هذه التطبيقات من »آي فون« لدى طرحها في السوق، فالجيل العربي الشاب يجب أن يعرف أحد أهم مطبقي سياسة »وعد بلفور« المشؤومة. تلك التي لا يزال الشباب العربي، حتى اليوم، من المحيط الى الخليج، يعيش نتائج انعكاساتها التدميرية، فقرا وبطالة وحروبا وتشريدا.
وعلى الرغم من عدم قدرة أبناء القاهرة وبغداد وفلسطين ومكة ودبي وبيروت؛ جميعهم على اقتناء جهاز »آي فون«، فإنه لا يزال بوسعهم اللجوء إلى أقرب مكتبة والبحث عن كتابين من أجل التعرف أكثر إلى شخصية تشرشل.
الكتاب الأول بعنوان »أحجار على رقعة الشطرنج« لكاتبه وليم غاي كار، وهو ضابط البحرية الكندية الذي كان الآمر الناهي في جهاز الاستخبارات البحري الكندي، وهو يؤرخ لوجه آخر غير معروف عن الزعيم البريطاني، أو على الأقل غير شائع كثيرا، وهي نظرته الدونية إلى الشخصية العربية، والتي مارسها في فلسطين أثناء توليه منصب وزارة المستعمرات البريطانية، ودفعت به إلى مناصرة اليهود في الاستيلاء على أراضي العرب، ومن ثم تشريد الشعب الفلسطيني.
ومما يذكر في هذا الكتاب، وذكره الدكتور خلف الجراد في بحث له، أنه »عندما زار ونستون تشرشل فلسطين في مارس 9112 طلب مقابلة وفد الوجهاء العرب هناك، ولما قابلهم عرضوا له خشيتهم من الأهداف التي تعمل لها الصهيونية، وفي مقدمتها الاستيلاء على فلسطين واستغلال أراضيها لمصلحة اليهود وبيّنوا له أن العرب يعيشون في هذه الأرض منذ مئات السنين, مطالبين إياه باستخدام نفوذه للحدّ من مطامع الصهيونية, أجابهم حرفياً: »أنتم تطلبون مني أن أتخلّى عن وعد بلفور، وأن أوقف الهجرة اليهودية, وهذا ليس في طاقتي, كما أنني لا أرغب فيه®.
ونحن نعتقد أنه »أي وعد بلفور« لخير العالم والإمبراطورية والعرب أنفسهم أيضا®. ونحن ننوي أن نحقّق هذا الوعد«. وبالفعل، بعد ثلاثين عاما على هذا اللقاء، وتحديدا في العام 9145، وكان قد مضى على قيام الكيان الصهيوني ست سنوات، اتضح لكل الأجيال أين تبدى خير الإمبراطورية وخير العرب أيضا في كلام تشرشل نفسه لبرنارد باروخ، الزعيم الصهيوني، حين قال:
»أنا صهيوني وقد عملت دائماً من أجل تقدم الصهيونية«. هذا الالتزام كشف عنه كتاب آخر هو »تشرشل واليهود« لمؤلفه سير مارتن جلبرت، صدر عن »سيمون آند شوستر ودار هنري هولت«.
وجلبرت هذا هو أشهر مؤرخ بريطاني في الوقت الراهن، ومنحته الملكة إليزابيث لقب سير في عام 5991 تقديراً لخدماته للتاريخ البريطاني، والمعروف بأنه الكاتب الرسمي لسيرة رئيس الوزراء البريطاني الراحل تشرشل، ومن أشهر أعماله »حياة وينستون تشرشل«. وقال في بداية كتابه: »على مدى تاريخه السياسي كله كان أكبر المدافعين عن اليهود والصهيونية سراً وعلانية، في الوقت نفسه الذي كان فيه من أشد المعارضين لمعاداة السامية، وصاحب مواقف معلنة في هذا الصدد«.
