يصطدم المخرج التونسي، المقيم في سوريا، شوقي الماجري، لدى مباشرته في تنفيذ أي عمل جديد في التلفزيون أو السينما، بميكانيزمات أساسية في الثقافة العربية المعاصرة: الجهل بفلسفة الجمال، وانفلات الانفعال الشعبوي في مظاهر حياتنا كافة.
من هنا، فإن صاحب أحد أهم عملين في تاريخ الدراما العربية، في رأيي ورأي كثر من النقاد والعالمين، وهما »الاجتياح« و»هدوء نسبي«، المهجوس دوما بالحس الجمالي للابداع، وسحر الصورة التي تجسد، لا الفرح غالبا، بل المعاناة والمأساة والخراب (ذلك السحر الذي يجعل حقولا من الليمون تعصر في معدتك على رأي الشاعرة رولا حسين)®.
ما ان يفرغ من الخوض في معركة في مواجهة تلك الميكانيزمات، حتى يصطدم بأخرى. وعلى الرغم من عناده البادي على مضيه قدما في تنفيذ ما يهواه، رغم المشاكل الانتاجية والتضييقات السياسية، فإنه، بالطبع وكما أي مبدع، لن يكون سعيدا بأن يمضي أكثر من عشرة شهور بين أخذ ورد، ومراجعة الرسائل الرقابية، مع الاشتراطات السياسية، والرد على المقابلات الصحافية الموجهة، وتحمل اعتذار نجوم راهن على جرأتهم لدعم مشروعه.
كل ذلك لانجاز فيلم »مخيف« عن عالم الانفاق الذي يتحرك فيه الفلسطينيون عنوانه »مملكة النمل«. عن فلسطين تحت الأرض، بعد أن صورها، بالاحتلال والعدوان والآلام والحكايات، فوق الارض في عمله »الاجتياح«، الذي تمكن من منافسة النزق الأميركي المعادي لقضايا العرب وفلسطين، في عقر دار تظاهرته التلفزيونية الأكثر رفعة، أعني »جوائز ايمي«، بل إنه انتزع احدى هذه الجوائز.
هذا النزق، الممتد أيضا الى قلوب المنتجين العرب، الذين يهابون، اسم »فلسطين«، على شاشاتهم، لم يمنع الماجري من اعادة الكرة، وفي عمل بديع يحكي عن تغطية اعلاميين عرب لوقائع الاحتلال الاميركي لبغداد، هو »هدوء نسبي«.
احتجت القاهرة على فكرة العمل، رغم تأكيدات كاتبه ومخرجه أنه لا يرمز الى منشآت الحكومة المصرية على الحدود مع فلطسين، وأثرها على حياة السكان واضطرارهم الى التحرك في أنفاق ترابية، بل الى الفترة التي أعقبت اجتياح الكيان الصهيوني لرام الله عقب الانتفاضة الثانية وحصار مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
وقامت الصحافة المصرية، على مدى الشهور الماضية بدءا من يناير، بشن حملة ضد الفيلم، وهو بعد حبر على ورق، أدت الى مطالبة الجهات المصرية الانتاجية، المشاركة مع جهات تونسية وسورية في انتاج العمل، في اجراء تعديلات أساسية على السيناريو، ومنع الفنانين السوريين من المشاركة في أدوار البطولة، وجعلها حكرا على الممثلين المصريين.
طبعا، لم يرضخ الماجري، كذلك »بلع« مفاجأة اعتذار السوري خالد تاجا عن القيام بدور رئيسي في الفيلم (شخصية أبو النمل)، وها هو اليوم في صدد وضع اللمسات الأخيرة على ما انجز من الفيلم بين حلب واللاذقية (نصفه الآخر في تونس)، رغم كل الحملات، ومعه عابد فهد وصبا مبارك وآخرون.
ويستحق الماجري تحيتنا لأسباب عدة: امتلاكه رؤية سينمائية متكاملة (تنسحب أيضا على أعماله الدرامية) تدمج بين حرفية اللغة وجودة المضمون، وهي معادلة من النادر أن نقع عليها في عالمنا العربي، وأيضا حسه الجمالي والانساني وايمانه المطلق بالفرد العربي أينما كان وكيفما تكلم لسانه. من هنا، فهو يستحق لقب المخرج الحقيقي®. في مواجهة منطق »الدكاكين«!
