الاستيقاظ. معجون أسنان يترك أثرا على المغسلة أحفه بنفور. رقائق الشوفان مخلوطة بالزبيب وبذور دوار الشمس. كثير هذا الزبيب وأنا بت أضجر على ماكينة تذويب الكالوريهات. خمس خطوات الى الكنبة الحمراء. أمهل حليب الصويا ثوان كي يمسّد قلب الحبوب. أرشفه.

فيروز من الآي بود، لم أعد أطيق الا القصائد. زجليات القرية والقمر ولبنان الأسطوري لم تعد تؤثر فيّ. في القصائد صوت فيروز أجمل، أعمق. الصحيفة. أقرأ أخبار الأمس. أدوّن أفكارا للغد.

أقول ان كل شيء عابر، والحبر دماء مهدورة، كما دماء الناس في بغداد وفلسطين، لا تصبغ قلبا ولا فكرا. لكنه الحبر الذي يبقيني قادرا على البوح. الاضاءة خفيفة. أحرض عضلات عيني على التحديق. لم تعد على ما كانت عليه. ملت التنبه والالتقاط والتغزل بالشياطين التي تسكن في التفاصيل. تتوق الى فضاء لا ينتهي. الى لون أوسع من الأفق.

أحيانا، شاي أخضر. الكثير من الشاي الأخضر، يقولون يعين على تذويب الدهون المتكورة فوق الخاصرة. الخاصرة لا تحتمل أكثر من أثر للجرح. الدهون تمحي الجروح، لذا أذوبها. أريد للجروح أن تبقى ماثلة. تذكارات أيامنا جروح وندوب وكل شيء آخر عابر يسقط. الكنبة الحمراء وثيرة. فيها غواية النوم تستدعي، نوم طويل، كنوم أهل الكهف، تصحى من بعده على زمن آخر. أي زمن، لا فرق، المهم أن يكون آخر.

أحار في هذا الصقيع الذي لا يغادر أصابعي. كل شيء يغادرني بعد لحظات من الاستيقاظ الا هذا الصقيع. أحلامي الكثيرة، تلك العوالم التي باتت غرائبيتها تفوق احتمال ليلة واحدة ووسادة واحدة، تغسلها القطرات ذاتها التي تزيل معجون الأسنان. الأحلام تنظف الرخام. أفكاري تحضر بسرعة. أنا لا أحتاج الى »نيسكافيه« ولا قهوة، وحين تشعرني ساعتي البيولوجية بضرورة الاستيقاظ، أفتح عينيّ واهبّ الى العالم مباشرة. أباغته كي لا يباغتني. أكسر شوكة الاستيقاظ كي لا يكسر رقبتي ويرميني في غواية الكنبة الحمراء.

الا ذلك الصقيع، يبقى في اطرافي حتى منتصف النهار. أقول ربما يعوّض عن غياب الشتاء. ربما هو الممر الوحيد الى نافذة المطر ومدفأة الكستناء وبراءة الحلم الأول. يفرحني وأبقيه.

اللوحة انتظار. رسمتها، رسمت نفسها فيها، منتظرة على كرسي صغير من قش. أهدتني اللوحة، فركنتها، وحين علقتها على الجدار، ذهبت. لم أعد انتظر عودتها، فقد صاحبت انتظارها اليومي عند حافة الكنبة، واعتدت عليه. لكنها تترك أثرا، كما الجرح، يتضح أكثر كلما ذابت الدهون وانقطعت الشهية وتعمقت الهالات السوداء تحت الحدقات. ديوان سوزان عليوان على الطاولة. فيه من الشوق »ما يفوق الوصف«. لكنني أرغب بالتحدي وأمني النفس بامكانية وصفه بعد أن أفرغ من قراءته.

يسألونني كيف تبدأ صباحاتك، فأقول إنها بسيطة. فأنا أبدأها، فقط لكي لا تنتهي.

ibrahimt@albayan.ae