أكمل اليوم ما بدأته في اليومين الماضيين من إلقاء الضوء على كيفية صناعة علامة تجارية من مأساة إنسانية، في الحملات التي تتقاطع فيها الأيديولوجيا والسياسة، والتي نتلقفها، في عالمنا العربي، في الغالب، من دون تدقيق ونصير نرددها كما الببغاوات في يوم مخنوق فيه الهواء. وقد اتخذت من حملة «أنقذوا دارفور» نموذجا، وذكّرت في مقالتين بنشأتها وآلية عملها، وأجندتها ومصالحها، كذلك بكتاب- وثيقة محمود محمداني «منقذون وناجون».
وقلت ليس محمداني وحده من لا تعجبه رسالة «الشجرة الخضراء» (شعار الحملة) فبين يديّ مقالة لستيقاني ستروم وليديا بولفرين منشورة في «نيويورك تايمز» بتاريخ الثاني من يونيو 2007، تكشف أن الحملة قد صرفت 15مليون دولار في العام الأول لإطلاقها وتشكلها على هيئة منظمة، من القاعة الفسيحة لمتحف الهولوكوست في نيويورك، من أجل تجييش الإدارة الأميركية على اتخاذ خطوات تحرض على تدويل أحداث دارفور، ولم ينفق دولارا واحدا من أجل دعم الأوضاع الإنسانية على الأرض.
ملايين من هذه الدولارات ذهبت إلى وكالات الإعلانات، ومن بينها Powell Tate التي تم تلزيمها إعلانات للحملة من قبل رئيسة الحملة كولين كونور التي «أهدت» زوجها مدير التسويق في «بويل تيت» الأموال التي كان من المفترض أن تذهب من اجل دعم «الأفارقة المتشردين الذين يواجهون خطر الإبادة من قبل العرب المسلمين».
لكن هذه الصفقات العائلية لم تبق مكتومة، وأصبحت أخبارها متوافرة على الانترنت لمن يرغب، وكذلك صور كولين كونور الفاعلة جدا على تويتر وفي سبوك ولينكدين.. عضو الكونغرس رون بول، وهو ترشح سابقا عن الحزب الجمهوري لمنصب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، من أشد المنتقدين لـ«أنقذوا دارفور»، ويعتقد أنها حملة تحريضية هدفها إطالة الحرب الأهلية في السودان، وهو يعارض التقسيم والتدخل الأميركي، كما عارض من قبل الحرب على العراق.
وفي مقالة اخرى منشورة في دورية the Christian Science Monitor، تحت عنوان «الابادة في دارفور ليست كما تبدو لنا»، نقرأ أن حملة «انقذوا دارفور» قد أساءت الى هذه القضية عبر تركيزها المفتعل والمبالغ فيه على ترويج أحداث العنف من دون التدخل من أجل تغيير الأوضاع الانسانية وتقديم المساعدات، ويقول مارك غوستافسون كاتب المقالة: لو ذهبت الأموال التي تضخ في حملة العلاقات العامة الى دافور فعلا.
لكان بوسع الكثير من الارواح أن تنقذ في الواقع، ويتحدث منتقدا الحملة التي يعتبرها اكبر حملة عرفتها الولايات المتحدة في تاريخها الحديث: رغم تراجع الأحداث في دارفور الا أن هذه الحملة ظلت تروج لعبارة المجزرة مستمرة حتى اليوم، ويكشف أن عبارة «ابادة جماعية» هي غير دقيقة لجهة توصيف الوضع في دارفور و«قد جرى استخدامها فقط من اجل لفت نظر حكومات العالم».
ويضيف: باستخدام لفظ ابادة فإن ذلك يوجه مكمن العنف الى الحكومة السودانية ويبرئ الطرف الآخر، رغم ان تقارير الامم المتحدة ذكرت أن الطرفين متورطان في أحداث العنف وليس فقط الحكومة السودانية. وبالفعل عادت تقارير نشرت الاسبوع الماضي لتؤكد ان منظمة «الخدمات اليهودية العالمية» المؤسسة لـ«انقذوا دارفور» تعارض التوصل الى أي حل سلمي او تسوية ولا تجد الحل الا في.. الانفصال!
