استغرب البعض من قراء مقالتي أمس ذكر اسم «الخدمات اليهودية العالمية» في معرض توصيفي لحرفية حملة العلاقات العامة العالمية المسماة «أنقذوا دارفور». وأقول إنني منيت بذات الشعور قبل فترة، حين قادني البحث إلى أصول هذه الحملة، عبر كتاب محمود محمداني الصادر عن دار «بانثيون» بنيويورك تحت اسم savers and survivors، وهو كتاب جدير بالمطالعة والاقتناء لكل المهتمين بدارفور والسياسة والحرب والإرهاب والعلاقات العامة وشركات الدعاية واللوبيات الصهيونية.

يكشف الأستاذ الجامعي الأميركي أن منظمة «انقذوا دارفور» ولدت من رحم الاحتفال الذي جرى في متحف الهولوكوست في نيويورك 41 يوليو العام 4002، بحضور ايليي ويزيل الحائز على نوبل كونه ناجياً من مذابح النازية، وروث ميسنجر مدير منظمة الخدمات اليهودية العالمية في المدينة. وبعد خطب رنانة وعاطفية تستحضر تاريخ الإبادة اليهودية، استخدمت للمرة الاولى آنذاك لفظ «إبادة» في وصف الأحداث التي تجري في دارفور: «إن العرب يذبحون الأفارقة ويتاجرون في الرقيق مثلما كانوا يفعلون منذ مئات السنين».

ولم تمض شهور قليلة حتى باتت أصداء نشاطات هذه الحملة في كل بيت أميركي وعلى كل قارعة طريق، وبات ابن «ايلينوي» و«انديانا» و«كنساس» و«هاواي» و«نيبراسكا».. يعرف عن «الإبادة في دارفور»، أكثر بكثير مما يعرف عن حياة الجيران الذي يقطنون في البيت المجاور له.

وكما تم إلباس العرب مأساة الهولوكوست التي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل، باتت «دارفور» هي وصمة العار الجديدة على جبين كل عربي، حتى لو كان من نوعية ذاك الذي لا اهتمام له في الحياة إلا مشاهدة المسلسل التركي وتتبع أخبار هيفاء وهبي وأكل السلمون مع «الكريم شيز». يقول نيكولاس كريستوف، وهو من كتّاب صحيفة «نيويورك تايمز»: (عيب على المسلمين والعرب ألا يتحركوا)، وهي عبارة تؤكد طابع الوعظ الديني الذي ركزت عليه حملة «أنقذوا دارفور»، في موازاة الجانب العنصري، على ما يقول محمداني في كتابه: «تقول المسيحية انها جاءت لانقاذ اليهود، وتقول اليهودية انها جاءت لإنقاذ المعذبين، ماذا يقول الإسلام؟».

ويذكر الكتاب أن حملة «إنقاذ دارفور» ركزت على التفسيرات العرقية والدينية وأهملت التفسير المناخي للأزمة، وهو أن أساس المشكلة يتمحور حول صراع بين الرعاة والمزارعين، وانه، خلال أربعين سنة من التغير المناخي، زحفت الصحراء جنوباً بمسافة مئة كيلومتر، كانت كافية لنشوب معارك. وليس عمل منظمة الخدمات اليهودية قريب العهد بدارفور، فمنذ العام 7891 زرعت في تقرير اسمه «الحقائق في دارفور»، البذرة الأولى للحملة التي ستقودها بعد عقدين، وبنجاح: «يسيطر سودانيون مسلمون لونهم فاتح على الحكومة في الخرطوم، ويستعبدون المسيحيين والوثنيين الأكثر سواداً في الجنوب».

وليس محمداني هو الصوت الوحيد في أميركا الذي تحدث عن زيف هذه الحملة وكشف أجزاء من اجندتها، التي تتقاطع فيها المصالح السياسية والتجارية، فهناك أصوات أميركية أخرى رأت في نشاطات «أنقذوا دارفور» تحريضاً على العنف واستغلالاً للانسانية ودعماً للاجندة الاستعمارية ونهباً لملايين الدولارات من جيوب المتبرعين الأميركيين السذج المتأثرين بابتسامة جورج كلوني، أحد هذه الوجوه.

ibrahimt@albayan.ae