أن تكون ابن دارفور فأنت محظوظ. ليس لكونك مهددا بالارتحال أو التعرض لأي نوع من أنواع العنف، لكن لكونك قادر على أن تكون على طاولة المطبخ والجلوس في كل بيت في الولايات المتحدة اليوم. وأن تكون كذلك، ماثلا بسيرتك وسيرة اهاليك في المطابخ الاميركية، فهذا يعني انك في العمق. عمق الايام والأحداث التي تكتبها آلة الدعاية الاميركية القوية.

اما ان كنت من باكستان، من قرية صغيرة جرفها الطوفان، وقد رأيت بأم عينك ذويك وأبقارهم قد نفقوا وتحولوا الى جثث متنفخة.. وان كنت من غزة، من حيّ صغير يجتمع شبانه في ساحاته كل ليل ليضحكوا تحت تأثير أدوية «الترامال» المخدرة، والمهربة اليهم عبر الانفاق التي تودي الى مصر، فلا احد سيكترث لك، وسيجعلونك غارقا في ضحكك، الذي لا حيلة لك غيره، بل سيضحكون عليك وعلى فقرك واضطهادك وقتل انسانيتك. وان كنت في أي بقعة من العالم، ليس للولايات المتحدة فيها أي مصلحة نفطية أو سياسية او ايديولوجية، فلن تطالك أي من اعلانات وكالات الدعاية الشهيرة مثل «ويبر شاندويك» أو «كولين هاريس» او «ام اند آر»، تلك التي تغرف ملايين الدولارات باسمك وباسم قضيتك، لكنها تحول المعاناة الى شعار، وألوان وصور، لا أكثر.

لذلك فإن كنت دارفوريا، فأنت فعلا محظوظ، بوجود منظمة اسمها «سيف دارفور» (انقذوا دارفور)، يأتي الى نشاطاتها جورج كلوني وباراك أوباما والحائزون على ميداليات الالعاب الاولمبية والانجازات الفكرية والناجون من الهولوكوست (!) وجيمس زغبي الذي تتسابق صحفنا العربية على ترجمة مقالاته النيرة. وسينظم باسمك أيها الدارفوري أكبر عدد من «الراليهات» التي شهدها التاريخ من أجل دعم قضية واحدة، مع 350 رالي في 41 بلدا في القارات الست وخلال فترة لا تتعدى خمس سنوات.

وستصل الى البيت الأبيض اطنان الرسائل التي تتحدث عنك وتطالب بالتدخل من أجلك (مليون ومائة ألف رسالة حتى اليوم و215 الف الى الكونغرس و15 ألفا الى محرري الصحف في أميركا)، وسيقول عنك الرئيس السابق جورج بوش، الذي نشرت مجلة نيوزويك مؤخرا أنه منزعج لأن الأطفال في الحي الذي يعيش فيه لا يتعرفون عليه حين يلتقون به مارا في الشارع ليرمي كيس النفايات في المكب صباحا.. سيقول عنك: حملة أنقذوا دارفور هي التي ابقت هذه القضية حية في الأحداث والأخبار طوال الفترة الماضية وجذبت انتباه الرأي العام بطريقة لم تحدث منذ أحداث الفصل العنصري في جنوب افريقيا» (تصريح الى واشنطن بوست في الأول من يونيو 2007).

هذا يعني أن الشعب الأميركي العتيد يهتم بك أكثر مما اهتم بابن بغداد أو كابول أو غزة أو بنت جبيل. إذاً، أنت فعلا محظوظ، طالما أن الفتيات اللواتي يهوين الكيراتين وطلاء الاظافر بلون «الزيبرا» وقراءة باولو كويلو فيما يتشمسن على حوض السباحة، يعرفن أيضا عن معاناتك أيها الدارفوري ويتمنطقن بك وعبرك من أجل اظهار «البعد المثقف» في شخصياتهن، وكونهن «تراندي وآب تو ديت»! لا تقلق يا صديقي فإن الله والبشرية وكلوني وهيلاري كلينتون ومنظمة «انقاذ دارفور» و«ايناف» و«محاربة الابادة» و..» الخدمات اليهودية العالمية».. في خدمتك، ان كنت من دارفور!

ibrahimt@albayan.ae