يحتاج لبنان الى فنانين من نوع خاص. شخصيات قادرة أن تكون على قدر المسؤولية الأخلاقية، التي يفرضها الابداع على صاحبه، في بلد تعتمل فيه الفتن، ويتردد نعير الحرب كصدى الريح في عيدان القصب، كل ساعة.
يحتاج البلد الصغير الى مثل أعلى، في زمن لا مثل فيه ولا رقيّ، بل زمرة من أهل الساسة يتصارعون على المصالح والأجندات، مستخدمين كل الوسائل، بما فيها الرصاص. ولا يدلو مغنو لبنان، أو وجوهه الاعلامية البارزة، في الغالب، بآراء سياسية تناصب العداء لهذا الطرف، أو التحيّز لذاك الطرف، خوفا من أن يخسروا جزءا من الجمهور، المنقسم دوما على كل القضايا، بدءا من المقاومة مرورا بالسلاح وصولا الى العلاقة مع الجيران والقارات الخمس.
ولا تزال ماجدة الرومي، الى اليوم، وعلى الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على تصريحات نسبت اليها تتعلق بدعمها حزب سياسي معيّن، تسأل عن هذا الأمر بشيء من العتب، وأحيانا الحقد من قبل مناصري الحزب المضاد، فيما تحاول أن تنفي في كل مرة، مؤكدة أن حزبها الوحيد هو «لبنان» الذي تتغنى له وتفلسفه على طريقة سعيد عقل. ولا يزال جزء من الجمهور اللبناني غير مقتنع أن جوليا هي مغنية وطنية، على الرغم من كل الأغاني التي صدحت بها عن الحرب والمقاومة والجنوب، لأنها غنت كلمات زعيم سياسي لبناني. ينأى الفنانون اللبنانيون عن الخوض في هذا الفخ، ويفضلون حديث العناوين العامة من قبيل «الله يهدي البال»، أو «على الجميع أن يتكاتف من أجل الوجه الحضاري للبنان».
وبما أن مسألة السلاح على ارض لبنان مطروحة بقوة هذه الأيام، وفي الوقت الذي يعتصم فيه شباب من هيئات المجتمع المدني في حديقة الصحافي القتيل سمير قصير في بيروت، تحت شعار «سلاح على مين»، بهدف المطالبة بتطبيق الدستور وتجريد الميليشيات من سلاحها الا من الأراضي التي تعتبر جبهات عسكرية (شارع الحمرا والطريق الجديدة ووسط بيروت ليست ضمن هذا التصنيف بالتأكيد). في ظل كل هذه الأجواء المشحونة، يخرج علينا «فارس الأغنية العربية» عاصي الحلاني، بمقولة مهمة في حوار أجري معه قبل أيام على «روتانا»، مفادها: «لم لا؟ فليمتلئ كل بيت لبناني بالسلاح.. في حال الضرورة».
ردا على سؤال المذيعة عن رأيه، وهو أحد جامعي السلاح النادر، بإقدام اللبنانيين على جمع السلاح في بيوتهم. وبما أن جمهور الحلاني، الذي يهوى تربية الخيول وكيل المديح للأمراء، يضم شبانا وشابات، قد يكون لديهم مثال أعلى، فإن ما أدلى له ليس المطلوب من فنان من المفترض أنه يولي أخلاق المبدع، بما تتضمنه من حب وجمال وسلام، وغيرها من القيم التي يدمرها السلاح. واذا كان يريد الدفاع عن هوايته، لماذا لم يحصر الأمر بالسلاح النادر الذي لا «يخرطش» ولا «يطرطش». واذا كان فعلا لا يمانع في حشد اللبنانيين للذخيرة في أقبية الحنطة والشعير، استعدادا للوضع «الهام»، فكان عليه أن يفصح عن تلك الأهمية. أما اذا كان كلاما بوسعه أن يستغني عنه، كمديحه مالك المحطة، على شاشة المحطة، فبوسعنا فقط أن نتجاوزه!
