تمتلئ صفحات الـ«فيس بوك» بصور الأطفال. الجميع، الأمهات الشابات تحديدا، يردن أن يعرضن صور أطفالهن الرضع على الملأ. ولأن «الفيس بوك»، كتاب الوجوه، بات دليل الأيام وقاموسها، لا عجب أن يكبر الصغار على صفحاته، يوما بعد يوم. ولم تعد صور الصغار تابعة الى «بروفايلات» الأهل فقط، بل أصبح لديهم اشتراكاتهم الخاصة، وصفحاتهم المستقلة.

اذ يقبل ذووهم على مدهم بالنزعة الاستقلالية منذ نعومة اظافرهم، ويرعون هذه الصفحات، الى أن يبلغ الأطفال سن الرشد ويصبح بوسعهم متابعة صفحاتهم بأنفسهم. وسن الرشد في عام2010، هو غيره في العام 1950. فابن العاشرة اليوم هو راشد، وراشد جدا، حين يتعلق الأمر بالانترنت والالعاب الالكترونية والفيس بوك والبلاك بيري والآي باد. وابن الخمسين قبل نصف قرن، كان لا يزال يستحي من التدخين في حضرة الجد الكبير، وكان لا يزال يخبئ البوم صوره الذي يتضمن رسائل حب زرقاء تبادلها مع أم العيال في زمن الصبا.

ولماذا نذهب بعيدا، فجيلنا، الذي كبر في الثمانينيات، مختلف تماما عن أطفال الفيس بوك الذين ولدوا قبل عامين. وقد «حفرت» في كل ألبومات العائلة والأقارب وأصدقاء العائلة، نبشا وتنقيبا، قبل أن أعثر على صورة يتيمة لي، وأنا طفل في شهري الخامس. وقد احتفلت آنذاك بهذا الحدث، وعاملت الصورة معاملة العاثر على لوحة «زهرة الخشخاش» بعد اختفائها المشبوه.

وكان عليّ أن «أسكّنها» (هذا اشتقاق لغوي فريد من كلمة سكانيغ أي عملية التصوير الالكترونية يستخدمه الشباب اليوم) وأحوّل أصباغها المعتقة التي تميل الى البني الداكن، الى «بيكسلات» يباركها «الفوتوشوب». وسوف أقوم في الفترة المقبلة بنشرها على «الفيس بوك»، ثأرا للطفل الذي في داخلي من أطفال اليوم، وطمعا بالمنافسة، حتى ولو بصورة واحدة. وسأراهن على المنافسة بالنوع وليس الكم (هذه مزحة عنصرية متأثرة بقراءتي اليومية لمقالات كتاب بريطانيين).

لكن المنافسة ستكون خاسرة، فالطفل «تسلملي عيونو» ينافس بصور الأشعة التي تظهره جنينا في بطن أمه، وكان عمره اربعة شهور تحت الصفر. وكيف لي أن أتواجه مع الطفل« لظلوظ» الذي نشرت أمه صورا له وهو يلعب بخيوط الباستا، كأنه نجمة البوب مادونا في الحملة الاعلانية الجديدة لـ«دولشي أند غابانا».

أما الطفلة «محاسن الصدف» فقد ظهرت في أكثر من خمسين لقطة محتفلة بعيد ميلادها «الثاني»، وهي تنثر «صدفها» على المدعوين، تارة شوكولاته على وجوههم، وتارة شرائط كبريتية على عيونهم، وتارة أخرى عصائر «ليبيز» على أحضانهم. منافسة هؤلاء الأطفال الأشقياء مهمة مستحيلة، فهي تنطوي على منافسة كاميرا الديجتال الحاضرة دوما لالتقاط أنفاس يومياتنا وتحويلها الى صور.

وقد فكرت في سؤال آخر: هل أطفال الفيس بوك محظوظون فعلا أم أنهم مظلومون؟ فكما لا يتحمل الطفل مسؤولية اسمه «فأسامينا شو تعبوا أهالينا تلاقوها»، على رأي السيدة فيروز، فهو أيضا لم يسأل عن «فضح» طفولته بهذه الطريقة. ربما اراد طفل اليوم، رجل الغد، أن يحتفظ بسجل طفولته له ولأبنائه من بعده فقط، وربما ارادات طفلة اليوم عروس الغد الا يعرف العريس انها كانت طفلة سمراء بعينين سود وليست شقراء بعينين زرق كما تتبدى له اليوم!.