رحم الله ذلك الزمن الذي كانت فيه كلمة «مهندس» (تقال مع اشارات بالأصابع توحي بالمكانة الرفيعة والرقي) تهز الوجدان، وكان منى الأب والأم، بعد تزويج البنات أن يطلع أحد الأبناء في العائلة «مهندسا» أو «محاميا»، ويا منى العين أن يكون «دكتورا» (أي طبيبا). اليوم، وفي عالم مهووس بالارهاب وقضاياه، التي تخالطها الأساطير أكثر بكثير من الحقائق والوقائع، بتنا نعيش مراجعة أميركية واعادة تقييم لكل مظاهر الحياة التي نعيشها. على الطريقة الأميركية، يجب أن نلبس ونأكل ونشرب ونترفه ونحب.. وإلا، فالتهم جاهزة، أبسطها التخلف، وأقصاها الارهاب، وأخبثها معاداة السامية.
حتى أحلام أمهاتنا، بات من الخطر القومي تحقيقها، وعلينا أن نسكتهن على العتبات وهن يوجهن الدعاوي للفتية:« روحوا، ربنا يعطيكم، وأشوف واحد منكم مهندسا والثاني محاميا والثالث دكتورا». ورغم أنني، شخصيا، غير متحيز لهذه «العقدة»، بل أطالب الأهل بتوجيه الأبناء الى اختصاصات أكثر حيوية وعصرية ومطلوبة في الأسواق، الا أنني لا أوافق على الهوس الأميركي الذي يريد، في آخر تقليعاته ونظرياته عن الارهاب الذي يهدد أميركا والعالم، أن يربط بين مهنة المهندس وحرفة..
الارهابي. في آخر دراسة تفتق عنها مركز أبحاث يخدم الأجندة الأميركية العسكرية، والهيمنة على مقدرات الشعوب وحقوقها بحجة السيطرة على الارهاب، نقرأ « أن هناك صلة قوية بين الارهابيين ودراسة الهندسة». واذا كنت تقرأ هذه المقالة وأنت طالب هندسة، فلا تصرف مزيدا من الوقت على القراءة، فلعلك تحتاجه من اجل توفير مخبأ لك في جزيرة «الواق واق»، أو ربما، الانضمام، بدافع الاحباط والغضب، فعلا الى المجاهدين في كابول. أما اذا كنت تعرف أحدا يدرس الهندسة.
ويخطط لزيارة نيويورك قريبا، فأخبره، جزاك الله خيرا، أن يعيد النظر، أو يتحضر لاجراءات عقابية في المطارات. فالأبحاث الأميركية، سابقة العصر دوما، ترتاب في أن «نسبة المهندسين في الدول العربية والاسلامية التي ولدوا (أي المتطرفين) فيها لا تزيد عن اربعة بالمئة»، في الوقت الذي تشير فيه الدراسة الى أن عشرين بالمئة من المتطرفين الاسلاميين (العينة من اربعمئة) قد درسوا الهندسة».
وبعد أن دس العم سام رأسه في طبق الأكل الذي نقتات منه، والفيلم الذي نشاهده، والمجلة التي نقرأها، وخطبة الجمعة التي تعظنا، ها هو يريد أن يحدد اختياراتنا المهنية، فننساق الى «مهن آمنة» ونبتعد عن «مهن مشبوهة» أو ربما «مارقة». أما تحريض الأمهات لأبنائهن على التوجه نحو الهندسة، رغبة بالتفاخر والتشاوف بين الجيرة والأهل، فعليه أن يتوقف فورا، والا فإنه سيصنف على كونه «تحريضا على الارهاب».
يقول أحد الاساتذة الذين أشرفوا على الدراسة: «كم واحد من مهندسي الجماعات المتطرفة يعرف فعلا الفارق بين الخط الأحمر والأخضر»، في اشارة تهكمية تفيد أن هذه المجموعات انما تتستر خلف اروقة جامعات الهندسة من أجل مآرب أخرى. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: اذا كان الارهابي لا يفرق بين الخط الأحمر والأخضر، فكيف سيتمكن من نسف أبراج وتفتيت منشآت؟ فحتى القتل، كما نعرف من خبرتنا بجيوش الاحتلال من بغداد الى كابول، يحتاج الى تخطيط.. وهندسة!
