بعض السخرية جهل، وبعضها الآخر حرفة وفيه حنكة وذكاء. بعض السخرية خفيف لا يقيم للقارئ وزناً وبعضها الآخر يدلي بدلوه ويترك في القلب أثراً. وبعض السخرية الذي طالعته في المجلة الثقافية الانجليزية «بدون»، التي تنشرها شركة «بدون» المسجلة في الولايات المتحدة الأميركية، وتتمحور حول عالم «الفنون المعاصرة في الشرق الأوسط».. بعض هذه السخرية من النوع الأول.

في مقالة امتدت على إحدى عشرة صفحة، بعنوان «هذه العلامة التجارية هي علامتك»، تم استعراض الكثير من الشعارات التي ترفعها مدن ودول حول العالم من أجل الإعلان عن رسالتها ووعودها. وهو ما يعرف في قاموس التسويق بـ«براند نيشن»، أو العلامة التجارية الخاصة بالدولة. وبعد جولة مستفيضة، ومملة إلى حد ما، على نشأة هذا المفهوم وانتشاره، يستعرض فريق من محرري المجلة والقائمين عليها مجموعة تضم 22 شعاراً لـ22 علامة تجارية لمدينة أو دولة، عبر تعليقات، وجدت فيها شخصياً القليل من الجمالية والفهم الواعي والكثير من «التظارف» الفظ. وضع ثمانية معلقين أنفسهم في مقام المحكمين، وادعوا القدرة على تقييم العمل الكامن وراء الحملات الوطنية التابعة لتلك البلاد، وبالطبع كانت دبي حاضرة في هذه «الجردة».

وقبل بضعة سنوات، شاهدنا شعاراً مؤثراً للمدينة التي تحتضن عشرات الجنسيات، وتؤمن حياة السلم والسلام لهم ولذويهم، يتمثل بكلمة دبي بحروف لاتينية، بلون أسود، مع شكل قلب خطته حروف دبي العربية، مرسوم في اعلى الزاوية اليمنى للكلمة الاجنبية. شخصياً، اجد في هذا الشعار تعبيراً خالصاً عن كنه رسالة المدينة التي بوسعها أن تبعث بها الى الملايين حول العالم، العابرين في مطاراتها ليل نهار، أو التواقين الى زيارتها والتعرف إلى انجازاتها لكن للمحكمين رأي آخر! شومون بازارا، خريج جامعة كمبريدج للهندسة، واحد المساهمين في «بدون».

يقول: «لماذا يخلو الشعار من الكليشيه (النمط) الخليجي المعتاد مثل الجمل أو النسر أو السفينة الخشبية.. آه، ربما لأن قطر قد استخدمت هذه الفكرة من قبل. هل فهمتهم شيئاً؟ فغير اللغة الوقحة التي استخدمها ابن كامبريدج، الذي يعمل على كتابة رواية عن الخليج باسم «العالم، العالم، العالم» (معلومات عن الانترنت)، لم نفهم حاجتنا الى «الكليشيه» والزج باسم قطر لدى الحديث عن دبي، فضلاً عن الايحاءات الساذجة حول «التنافسية الاقتصادية» بين البلدين.

مايكل فازكاز، محرر المجلة، الأميركي قام من جهته بتحليل لا يمكن أن يرقى إلى الثقافة بشيء بل أبسط ما يقال عنه أنه فج يصل حد السوقية والجهل. اذ لمجرد تشابه لوني الأحمر والأسود ذكره شعار المدينة، مع كل إنجازاتها وناسها، بشعار منتج استهلاكي من غير اللائق ذكره هنا.

بالله عليكم، لماذا هذا الاستسهال في «بدون» التي يبدو أن أزمتها المالية قد أثرت بشكل واضح في مستوى مضمونها. كان يجدر بأنطونيا كارفر، المحررة الرئيسية في المجلة، والتي تمكنت عبرها، من ترسيخ سمعة في الوسط الفني مكنتها من إدارة اهم فعالية فنية في دبي «آرت دبي».. ان تكون حريصة اكثر على إعطاء الملاحظات لفريقها من المحكمين كي لا يغرقوا في السخرية المجانية ونغرق معهم في كلام لا معنى له يسمونه باللهجة الإماراتية المحلية..«خريط»!

ibrahimt@albayan.ae