أكمل سلسلة «حسناوات سينما زمان»، وما آلت اليه أيامهن اليوم. وبعد أن كتبت في فضاءات فاتن حمامة ولبنى عبد العزيز أتوقف اليوم عند مديحة يسري، التي لا يزال صوتها يملأ ميكروفونات الندوات المتخصصة حين يتعلق الأمر بنقاش جدي حول صناعة السينما التي أهدتها ما يزيد على ستة عقود من حياتها، ولا تزال تحتفظ بأناقتها، على كافة المستويات، أناقة الروح والأخلاق، كما المظهر، رغم دخولها عتبة عامها التسعين.
وعندما قدم محمد عبد الوهاب يسري في أحد أفلامه كفتاة جميلة لا أكثر، لم يكن يعرف أن هذه الحسناء ستصبح النجمة المفضلة عند يوسف وهبي، وزميله «الدونجوان» و«ابن البلد» في الوقت نفسه، حسين صدقي. جرّ وهبي فتاته السمراء إلى عالم الأكابر، في حين شدّها صدقي إلى الشارع والحارة الشعبية والطبقة الوسطى الكادحة في زمن ملكي تقاسم رزق الفقراء مع الاستعمار. لكنها في كلا العالمين، بقيت سيدة أنيقة. من المرأة الفلاحة مروراً بحبيبة طالب يأتي من بغداد، وانتهاء بمشلولة.. في كل هذه الأدوار، احتفظت يسري بأناقة الأداء، واعتمدت الانفعالات الهادئة.
في العام 9491، قدمت دور سعاد في فيلم «المصري أفندي» الذي كتبه وأخرجه ومثّله حسن صدقي. شكّل العمل تحدياً حقيقياً للنجمة السمراء، وبداية بوسعنا أن نكرسها البداية المنطقية لأدوارها التمثيلية الجادة، وكانت قدمت قبل ست سنوات مع المخرج نفسه فيلم «العامل» (شاركت في بطولته فاطمة رشدي) الذي انتصر لحياة العمال وثوراتهم.
سلط «المصري أفندي» الضوء على موهبة مديحة يسري وقدراتها التمثيلية، فجسّدت معاناة الوالدة التي تفقد أولادها في إتقان بالغ، ونجحت في كسر صورة «بنت الذوات» التي حاول المخرجون حصرها فيها. كانت تعمل على كسر تلك الصورة النمطية عبر أفلام سابقة مثل «قبلة في لبنان» (5491)، «القاهرة بغداد» و»ابن الشرق» (7491).
لكن «المصري أفندي» (9491)، ثم «ابن الحداد» (0591)، جعلاها خياراً شعبياً، يجسد أحلام الفقراء وطيبتهم. قصة «المصري أفندي» حيكت على النحو التالي: يتزوج المهندس محمد المصري (حسن صدقي) من سعاد التي تعيش معه في بيئة فقيرة. ينجبان عدداً من الأطفال، ولا يكاد دخله الضئيل يكفي طلباتهم فيندم على إنجابهم. ويوافق صديقه الثري إسماعيل على مشاركته مشروعاً تجارياً، فينتقل المصري إلى عالم الأثرياء. لكن المال حرمه من السعادة ، يختفي ابنه حسن في ظروف غامضة، ويموت جميع أولاده في حادث سيارة باستثناء ابنته عائشة التي تصاب بالشلل.
يشعر المصري بأن ما أصابه عقاب له بسبب اعتراضه على مشيئة الله، فيؤدي فريضة الحج ليكفر عن ذنبه. في تلك الفترة كتبت الممثلة المسرحية زينب صدقي عن مديحة يسري: «من ينظر إلى وجهها للوهلة الأولى يحسبها شخصية حزينة هادئة، لكنها في الحقيقة تميل إلى الفرح والفكاهة، فضلاً عن كونها تملك طاقة كبيرة من الثورة والطموح... هي شخصية عربية أصيلة، و«كوكتيل» جميل لفضائل العرب في كأس جذاب يغري بالشرب». اليوم، تقترب يسري من التعسين من عمرها. صديقتها نبيلة عبيد، تتحدث عنها بصفات زينب صدقي ذاتها. لم تتغير مديحة يسري، لكن الزمن تغير. أما «الأبيض والأسود» فماثل على شاشتنا يروي لنا «فضائل الزمن الجميل».
