قليلة هي الشخصيات التي لا يزال ظهورها على التلفزيون، في برامج حوارية، يشكل محطة انتظار مؤثرة للمشاهدين، رغم تكرار اطلالات هذه الشخصيات.

وسواء رغبت في الاستماع الى سيناريو مقتل سعاد حسني أو حواديت الفساد السياسي ماضيا ومستقبلا، أو اذا كنت من الباحثين عن الكلمة التي لها ثقل، وفيها الغضب والحماسة والقطع كما حد السيف، فعليك بالشاعر أحمد فؤاد نجم. مازلنا نهوى كلام »الفاجومي«، حتى وهو على عتبة العقد الثامن من العمر.

لا يزال نجم يخوض معاركه بوعي كامل، ونضال كامل، ونكتة كاملة. الشاعر، حين يكون ضيفا على البرامج الحوارية، في رمضان أو خارجه، مستعد لأن يكون، ومن دون أدنى تدخل من المذيع، »فاجومياً« خالصاً.

»الفاجومي«، لمن لا يعرف، هو عنوان سيرة ذاتية للشاعر، كتبها بنفسه. قد تعني صدامياً أو كلامياً أو هلامياً، أو حتى »هامشيا«. والتوصيفات كلها، لحسن الحظ، تنطبق على نجم. وقد يكون للفاجومي معنى آخر، يبقى، في »قلب الشاعر«.

القلب يحتوي على أسرار كثيرة وسرائر كثيرة طوال حياة ممتدة. السرير الأقدم في دار أيتام، كان نجم ينام عليه، وكان عبد الحليم حافظ ينام على الآخر.

وحين انتقل الزمن من الطفولة إلى الشهرة، »تنكّر« صاحب »حبك نار« لتاريخه، ولزميل الدار، فشتمه نجم قائلاً إنه »قليل الأصل«. آراؤه الجدلية لا تتوقف عند أغصان العندليب، فعبد الرحمن الأبنودي، بنظره، »بوق للسلطة« وأم كلثوم »سيدة حكمت الشعب المصري بتسلط«، وروبي »تغني ب®.«.

ولا يسلم منه الحكام ولا يبذل جهدا في اختيار الألفاظ حينما يتحدث عن السادات أو أنغام. هذه الأخيرة، عاب عليها غناءها بلهجة غير مصرية، ولم يعب على اللبنانيين غناءهم بالمصري (هذا وجه من أوجه التناقض المنفر أحيانا في شخصية نجم)، مشيراً، في »اعتداد« يحسد عليه، ولا دخل له »بالشوفينية«، إلى أن كل اللهجات تختفي حين تحضر اللهجة المصرية، فمصر هي المنبع.

لكن أحمد فؤاد نجم يقدّس فيروز ويطالب بوضع صورتها على الأرزة، وسط العلم اللبناني. ويعتبر زياد الرحباني ابنه »المعشوق«. يحبهما الشاعر حباً جماً، لكنه لا يتأثر بهما كثيراً. الرحباني والسيدة اعتليا مسارح الخليج وخاطبا جمهورها في دبي وأبو ظبي والشارقة والدوحة أكثر من مرة.

لم يغنيا بالمصرية ولم يسألا مرة عن هوية الأذن التي تستمع إلى إبداعهما. لا دخل للإبداع بالعنصرية، هكذا آمن نجم على مدى عقود. الجميع يحب نجم. هو أيضاً يحب اليسا ونانسي عجرم.

لا يرى في فاتن حمامة قدرة تمثيلية محترفة وصادقة، ولا في محمد عبد الوهاب موسيقى تبقى للأجيال. يفضل سعاد حسني والقصبجي. يبرهن، بدقة متناهية، عن صوابية خياره. لكن الدقة لا تحضر في حساباته طوال الوقت، وبوسعه أن يخسر حين يتعلق الأمر بتناقض الخيارات. لا يزال الشاعر قادراً على الكلام.

لكنّ كثرة الكلام، واستسهال الخوض في هجاء أسماء راحلة، بتواطؤ بين رغبة البرامج التي تستضيف نجم في الإثارة واستعداد الضيف لإبداء الكثير من العروض »المغرية«®®. تلك الكثرة تؤذي صاحبها، فجمهور نجم المحب، سيظل راغباً بسماع حواديته رغم كل شيء، ممنياً النفس بأن يعود الشاعر شاعراً®®. لا أن يكتفي بدور الحكواتي.

ibrahimt@albayan.ae