رواية سعد مكاوي »السائرون نياماً« ظهرت قبل ثلاثة عقود، وتناولت حقبة من التاريخ الاسلامي متمثلة بسقوط دولة المماليك وأيامها الأخيرة قبل السيطرة العثمانية.

الرواية تحولت إلى مسلسل كان يفترض أن نشاهده قبل ثلاث سنوات، لولا الأزمات التي تمحورت حول تغير طاقمه، فحل محمد فاضل مكان هاني لاشين.

وبالطبع فضّل زوجته فردوس عبدالحميد على نجمة سينما الخمسينات لبنى عبدالعزيز العائدة منذ أربع سنوات إلى الوطن بعد اغتراب دام قرابة النصف قرن. صوّر المسلسل في سوريا، وفيه أبطال شاميون مثل سلوم حداد، كما أنه شهد عودة درامية وغنائية قوية لعلي الحجار.

لكن ما يهمنا في هذا السياق هو لبنى عبدالعزيز، أو من كانت توصف بالممثلة صاحبة العيون الأجمل في سينما مصر (لم يتسن لنا رؤية هذه العيون إلا بالأبيض والأسود، وحين عادت إلى الشاشة كان السحر قد غاب وانطفأ البريق)، وتصريحات لها حول حقبة الابتعاد تعكس حقيقة لا نعرفها عن علاقة النجم بالشاشة.

وربما يكون عنوان »السائرون نياماً« ملائماً أيضا لكي يختزل الى حد كبير موقف صاحبة »عروس النيل« و»الوسادة الخالية« من السينما، ومن التمثيل والشغف والمغامرة والجنون.

أطلّت لتقول إنها »فاقدة للذاكرة«، والحنين. أكدت أنها لم تشاهد أفلاماً عربية خلال تلك العقود التي قضتها »هاربة« من شيء ما، في الولايات المتحدة الأميركية. تزوجت السمراء الجميلة بعد آخر فيلم مثّلته عام 9691، »إضراب الشحاتين«. وكان ذلك كافياً كي تتخلى عن السينما.

كيف نفهم ممثلاً يقول إن السينما لم تكن، أصلاً، »كل شيء في حياته«، وإنه قادر، في لحظة تداول الأولويات أن يضعها في أسفل القائمة؟

أليس عشقاً ذلك الذي يجعل المشخّصاتية يفنون أعمارهم في حب الشخصيات وتلبّس أحوالها؟ أليست عشقاً تلك العلاقة التي ننسجها مع صورهم، فيغدون جزءاً من مخيلاتنا وأفكارنا و»صرعاتنا«؟.

لكن عبدالعزيز، في لحظة صفاء »متماه«، قالت إنها لم تحب التمثيل أصلاً. كأنها اعترفت بأن تلك المرأة الساحرة التي أثّرت في جيل كامل من الفتيات في الستينات، وبثّت إليهن رسالة إحسان عبدالقدوس في »أنا حرة«، لم تكن جادة.

وأن معشوقة العندليب التي يبحث عن وجهها في »وسادة خالية«، ليست صورة حيّة للغرام وألمه، وأن جهاد في »واإسلاماه« لم تكن صورة حية للمقاومة ضد الظلم والاستعباد.

في سبع سنوات فقط، من عام 9591 حتى عام 7691، مثّلت عبدالعزيز 81 فيلماً، لا يزال الجمهور يتذكر غالبها، بشغف وفرح. الشغف والفرح اللذان لم تبديهما عبدالعزيز، وهي تدلي بتصريحات »العودة«. بدت فعلاً »كالسائرين نياماً«، وهي تتكلم عن التمثيل الذي كان من »السهل أن تنسلخ عنه«.

لعلها حتى اليوم، وبعد مرور كل ذلك الوقت، لا تزال ترفض ان تبوح بالسر. لماذا هربت في تلك اللحظة السياسية الحرجة التي كان يعيشها الشارع العربي وقادته، هل هناك سر أصلاً أم خدعة؟ خدعة حبّ التمثيل ووهم التماهي الساذج مع عشّاقه.

هل كانت عبدالعزيز بارعة في التمثيل، كما نبرع في أمور حياتية تافهة لا نحتاج إلى أن نعشقها، بالضرورة؟ كأن نأكل ونشرب، وربما نحب.

ibrahimt@albayan.ae