أترك التقييم النهائي لتجربة تحول رواية عربية رائجة هي ذاكرة الجسد الى مسلسل تلفزيوني، الى مقالة أخرى، لكنني أستعرض، فيما يلي، نموذجا عالميا يجسد الاشتغال على الادب وتحويله الى دراما، وهي تجربة فيلم »العطر« التي كسرت، لأول مرة منذ عقود، ذلك الرهاب الذي ينتاب صناع الدراما لدى مقاربتهم الرواية الناجحة، ويودي بهم غالبا الى الفشل.
هل نجح توم تيكوير، صاحب »اركضي لولا اركضي «، في تحويل الرؤية الحسية النافذة للروائي الألماني باتريك زوسكيند، الى عمل سينمائي على مستوى روايته »العطر ـ قصة قاتل«؟ الفيلم الذي يحمل عنوان الرواية، يتناول قصّة طفل اسمه جان باتيست غرونوي (بن ويشاو)، يتمتّع بحاسة شم حادّة تمكّنه من تمييز الروائح المحيطة به.
هكذا، يستخدم غرونوي هذه الهبة ليبتكر عطر الخلود، بعدما نبذه الكلّ لأنْ لا راحة له. يصبح غرونوي مهووساً بتخزين روائح الشابات الشذيّة. رواية زوسكيد تنضح بمجموعة من الروائح القيمية المجرّدة، لا الحسية فقط.
ليست وحدها رائحة النتن في سوق سمك »مونمارتر « هي التي علقت في أنوف القراء منذ السطور الأولى للرواية. بل إنّه غرونوي، الرضيع المرمي لحماً طرياً بين هذه الروائح النتنة الذي علق أيضاً في أذهان القراء. لقد علقت هذه الروائح لديهم في غور ما، مظلم، يجسّد القسوة أو الخوف أو الكآبة الوجودية. هذه هي جغرافيا الروائح التي رسمها الكاتب: أن تكون للرائحة خطيئة، وللخطيئة رائحة. أن يكون للرائحة جمال وللجمال رائحة.
حين تشجّع تيكوير على قول العطر سينمائياً، كان عليه النفاذ الى ذلك العمق. أن ينتبه الى الفخّ الدائم الذي تنصبه الرواية، بمكر وخبث، للسينما، كلّما أرادت هذه الأخيرة معانقتها. لم يقع المخرج في الفخّ، إذ تفادى نطح ذلك الجدار الهائل من الروائح، بدافع تحويلها الى صور. ارتأى أن الجسد هو حقيقة الوجود الوحيدة. مكمن العطر ومعبر الفناء واشتهاء الخلود.
أليس هو أصلاً المظلة التي احتمى تحتها الروائي وهو يسطر روايته البهية؟ هنا تمتد جذور الأزمة. جان باتيست غرونوي، أخرس وصامت ولا رائحة له، والجسد مخلّصه في النهاية، طريقه إلى حلم الخلود الذي دفعه الى قتل 21 ضحيّة من الحسناوات®®.
وكما كانت الرائحة مكمنَ الهدير الهائل الذي صدّرته الرواية، أدّى الجسد الدور نفسه بالنسبة إلى الفيلم. ها هو قطعة لحم طرية مدماة منزلقة على الإسفلت، بقعة تكاد تكون الأقذر على الأرض، في مشهد ولادة غرونوي في سوق السمك. وها هو جثة حية، يفرز دهنها حياةً جديدةً تؤدي الى الخلود، كما يبدو لنا في مشاهد سحب عطور ضحاياه. كان على الاجساد أن تعلن عن حقيقتها®®. كي يعرف غرونوي حقيقته.
مثّل فيلم »العطر ـ قصة قاتل « الاختبار الأقصى للسينما في نقل رواية حسّية قائمة على المجرّد وغير المرئي. السينما هنا تراهن على تجسيد نقيضها. لكن هل ربح تيكوير رهانه؟ الأكيد أنّه لم يفشل®®. بل عرف، بحنكة، كيف يتفادى الفخ. مثل العطر كانت لغة مستغانمي في الرواية، حجر الاساس، الذي أثقل على مخرج المسلسل، فلم ينبر الى ابتكار أدوات جديدة بعيدا عن اشتغال مستغانمي اللغوي، والذي يليق بكتاب لا بسحر الشاشة!
