في إحدى زياراتي للقاهرة وجدت نفسي في مركز السموم في العاصمة، بصحبة أصدقاء، ولم يرقني كثيرا مستوى الحرفية أو الانضباط في مؤسسة هدفها التعاطي مع الحالات الطارئة في الشارع، لذلك أجدني، اسقاطا، ومن باب معاينتي الشخصية للمركز، اشكك في أرقام صادرة أخيرا عنه تشير الى أن أكثر من 0072 فتاة مصرية حاولن الانتحار في العام الماضي، لكونهن »عانسات«.

لكن لنفترض ألا دخان من غير نار، وأن هامش الخطأ في تقديرات المركز يصل الى 05%(شاهدت بأم عيني في ليلة رأس السنة سيدة تنازع مع قناع الأوكسيجين الذي يغطي وجهها لأنه ببساطة كان خاليا من الأوكسيجين الأمر الذي يجعلني متحمسا لرفع هذا الهامش الى مستويات قصوى!)®.

هذا يعني أن اكثر من 1300 فتاة في مصر لا يتورعن عن إنهاء حياتهن بسبب تأزم البحث عن عريس. ومنذ سبعينات القرن الماضي، وبزوغ عصر الانفتاح الذي ميز حقبة الرئيس أنور السادات.

وتسيّد التجار، وشيوع ثقافة الاستهلاك التي قضت على المشاعر الاشتراكية التي حاولت ثورة عبد الناصر وحكمه وسياسته أن تزرعها في العقلية الجماعية المصرية، اضافة الى خلل التركيبة السكانية المتمثل بتجاوز عدد الاناث لعدد الذكور®.

كل ذلك مضافا اليه حالة الاكتفاء الاقتصادي التي عاشتها الاسواق الخليجية خلال العقدين الماضيين، لجهة استيعاب القدرة العاملة المصرية، بالأرقام الحاشدة التي ميزت فترة الستينات والسبعينات®.

تسبب في انفجار مأزق عطالة الشبان والعنوسة في مصر، أو بكلام آخر تأخر سن الزواج لدى الرجال والنساء على حد سواء، وان كانت هذه المعضلة الاجتماعية، تتخذ غالبا البعد الأنثوي، كما دأبت العادة في مجتمعنا الشرقي.

تشير الأرقام الى أن 03% من الشباب المصري، من الجنسين، يعاني من العنوسة لأسباب مختلفة. هذا يعني ان أي عمل درامي، مثل مسلسل »عايزة اتجوز« الذي تلعب بطولته هند صبري ويخرجه رامي امام، يناقش هذه المعضلة بذكاء وحرفة، سيضمن توكيدا مخاطبة ثلاثين بالمئة من أصل سبعة وسبعين مليونا، أي أن أكثر من 32 مليونا من المشاهدين (هذا رقم مجازي يحتمل هامشا من الخطأ ففي مصر لا يقتني الى الآن كل السكان جهاز تلفزيون).

كما أن الرقم بالامكان مضاعفته اذا اعتبرنا أن قضية العنوسة ليست شأنا فرديا، فعلى الأقل هناك شخص آخر في أسرة العانس يتفاعل ويتأثر بهذا المأزق، وفي الطليعة الأم.

في المحصلة فإن مسلسلا بوسعه أن يخاطب هذا الكم من البشر، في مصر، وأمثالهم في العالم العربي، هو بلا شك عمل حيوي وليس على الهامش. هذا عن المضمون، اما التنفيذ، فلا يقل حيوية.

تعبر صبري، تونسية الأصل والتي حققت في السنوات السبعة الأخيرة نجومية سينمائية وضعتها في الصف الاول للنجومية، عن عفوية وخفة دم وسخرية تميز الشخصية المصرية، حتى في مواجهتها لأعتى المشاكل(احتج اصدقائي على اداء مركز السموم ولم يتوان احدهم عن لعب دور مسؤول كبير كما في الافلام لكي يرهب الممرضات المهملات الأمر الذي أنقذ حياة المريضة). كذلك سوسن بدر ورجاء حسين وباقي الطاقم الذي قدم مع مخرج واعد عملا أكاد أنتخبه من الأفضل في بازار دراما رمضان في مصر هذا العام.

ibrahimt@albayan.ae