على مدى اكثر من ثلاثة عقود، ومنذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية، لم تطوع سينما مصر أو انتاجها الدرامي هذا الصلح على الشاشة، بل على العكس، انعكست الممانعة الشعبية المستمرة للتطبيع مع اسرائيل والخضوع للولايات المتحددة، على تلك الأعمال، وكانت أقرب الى «حس الجماهير»، من مجاملتها المصالح السياسية والاقتصادية التي تربط بين الحكومة المصرية من جهة، وبين الادارات الاميركية والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي أظهرت جملة من الافلام مثل «فتاة من اسرائيل »، « الحب في طابا »، « الطريق الى ايلات »، ومؤخرا «اولاد العام » صورة الاسرائيلي العدو، لم تتوان أفلام أخرى عن تصوير الأميركي بكونه داعم العدو، أو في أقل تقدير المخادع الذي يروج أحلاما زائفة تخدع البسطاء لفترة قبل ان يتمكنوا من العودة الى وعيهم القومي والمصري.
وقاد خيري بشارة عبر فيلمه «امريكا شيكا بيكا » هذا الحوار الشائك، الذي جدده داوود عبد السيد مع فاتن حمامة في «أرض الأحلام ». لكن المراقب لسينما مصر في تعرضها لكل ما هو اميركي، لن يتوقع أن يتلمس موجات صارخة من العداء، أو النقد اللاذع، ولا حوارات او تصرفات توحي بـ «كره » أو «حقد »، تجاه الأميركي.
فالمشاعر المعبر عنها تقف غالبا عند حدود التلميح لا التصريح، أو السياقات التهريجية المضحكة، أو العتب. وفي ظل نشاط مقص الرقيب المصري من جهة، وسيطرة المؤسسة الرسمية على جزء كبير مما يتم انتاجه من الدراما التلفزيونية، لم تر الكثير من الاعمال التي ارادت ان تغادر «المنطقة الآمنة » النور.
ولم تنتج دراما مصر، على الرغم من عراقتها، عملا يشبه، على سبيل المثال، «وادي الذئاب » التركي، رغم ان اسطنبول مرتبطة (ولا تزال بالرغم من التوترات الحاصلة بعد ماساة أسطول الحرية) باتفاقات اقتصادية وامنية وسياسية مع اسرائيل والولايات المتحدة، لكننا، بشكل مواز شاهدنا سلسلة من الأفلام للنجم الشعبي عادل امام، تصوّر العلاقة الشائكة في قوالب تهريجية، فتعمل على تصغير الهدف، وتختزله بالاضحاك والتنفيس، كما في «السفارة في العمارة » وغيرها.
وهو الاطار ذاته الذي تدور فيه أحداث مسلسل احمد مكي ودنيا سمير غانم «الكبير قوي» الذي يسرد قصة اخوين من رجل صعيدي تزوج باميركية، احدهما بقي مع والده وأصبح عمدة مع مرور الايام، والآخر تربى في أميركا، لكنه قرر العودة من أجل الميراث، وبالمرة، من اجل نشر الديمقراطية واجراء انتخابات نزيهة في «الكفر » ومواجهة اخيه الديكتاتور، والسخرية من أهالي الصعيد كونهم لا يتكلمون الانجليزية ولا يعرفون الفرق بين دواء الصيدلية و «الكونفرنيس ميتنغ ».
ولا يعلم رجالهم ان التغزل في الرجال يعني، في الفكر الاميركي، مثلية جنسية! هذه رسائل قليلة من تلك التي تحشو العمل والتي لا تخرج عن اطار العون الأميركي لاصلاح الشعب المصري، الذي لم تغير من قناعاته 04 مليار دولار معونة عسكرية و82 مليار معونة مدنية، صرفت منذ كامب ديفيد على مصر. فهل تغيرها المسلسلات الكوميدية؟.