تغير الأفلام الصادقة في بعض المرات تاريخ الشعوب، وتنتصر للمظلومين، وتعيد قضايا طواها النسيان الى واجهة الحقيقة، وهذا ينطبق على فيلم صنعه قبل سنتين مخرج إسباني من أصل مغربي هو ادريس ديباك، يقيم حاليا في برلين، حيث فتح فيلمه »الخاسرون« ملفا شائكا في تاريخ الاستعمار الغربي لبلاد العرب، والنتائج الكارثية لهذا الاستعمار، ومن بينها زج رجال وأطفال العرب في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

نتحدث هنا تحديدا عن الحرب الأهلية الاسبانية التي حصلت في الأعوام 6391 و9391، بين القوميين المنقلبين على النظام الجمهوري الإسباني، المدعومين من ايطاليا الفاشية وألمانيا النازية آنذاك وبين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفييتي.

وهي الحرب التي لعب مغاربة الريف دورا أساسيا فيها، اذ إن الجنرال فرانكو الذي كان يحكم المغرب آنذاك، والشريك في عملية الانقلاب، بمعاونة المارشال المغربي »المخلص« لإسبانيا، محمد أمزيان، تمكنا من »شحن« مئات الآلاف من أهالي الريف الفقراء، ومن بينهم آلاف الأطفال، بالقوارب والسفن الى اسبانيا للقتال على جبهات غريبة عنهم. ماذا حصل بعد ذلك؟

انتصر فرانكو، وحكم لأكثر من 63 سنة، ديكتاتورا يمقت المثقفين والمبدعين، ويقتل أفضل الشعراء أمثال لوركا. وتعفنت جثث المغاربة الذين دافعوا عن »شرف« الكوديلو (لقب فرانكو وتعني زعيم الأمة؛ على غرار الفوهور هتلر، والدوتشي موسوليني) في المقابر الجماعية، ومن بقي اليوم على قيد الحياة، وبلغ الثمانين من العمر، وكان طفلا في الحرب، فها هو في قريته المعدمة ينتظر شهريا ساعي البريد الذي يوصل له 5 يوروات شهرياً مكافأة له على التضحيات النبيلة التي قدمها لإسبانيا.

خسر المغاربة، الذين أجبروا على الدخول في الحرب، وقلبوا موازينها لصالح فرانكو، في كل الحالات. فاليمين الاسباني المنتصر انقلب عليهم في ما بعد، تحت شعار معاداة الأجانب (فكيف اذا كانوا مسلمين)، واليسار الإسباني لطالما نظر اليهم على أنهم الأعداء الذين قاتلوا ضدهم، لذلك كان من الطبيعي أن يتم اهمال هذه القضية على مدى عقود، فكان هؤلاء المغاربة، كما اسماهم ديباك، »أكبر الخاسرين«.

الحكومة الاسبانية الحالية، وافقت بعد مرور أكثر من ستين سنة على الحرب، على تمويل داراسات مغربية اسبانية من أجل فحص عظام 11 مقبرة جماعية، والتوصل الى رقم حقيقي للضحايا المغاربة، الذين تذكر المراجع الغربية أن ارقامهم لا تتعدى »المئات«، كما هو الحال بالنسبة الى »ويكيبيديا الالكترونية«، بينما يقول »مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل« المغربي إن الرقم هو ربع مليون، مشتملا آلاف الأطفال، وهو ما يؤكده الفيلم أيضا.

هل ستنعم أرواح ضحايا الاستعمار بالسلام، وتذكرهم كتب التاريخ والموسوعات العالمية بما يليق بإنسانيتهم المهدورة؟ هل ستنصف اسبانيا اليوم الغارقة في مستنقعات التحيز ضد العربي والمسلم (نشرت صحيفة ناشونال الاماراتية قبل أيام صورا لمساجد اسبانية خاوية الا من بعض المصلين وذكرت أن مسلمي إسبانيا باتوا يخافون من أداء فرائضهم الدينية جهاراً).

هل ستعيد الحق الى من حارب مع زعماء اسبانيا الأمس؟ واذا كان المغاربة انتصروا في الحرب مع فرانكو، فلماذا أهملهم التاريخ، الذي نسمع دوما أن المنتصرين هم من يكتبونه؟ لكن، يبدو أننا مغلوبون دوماً، حتى لو قُيّد لنا الانتصار!

ibrahimt@albayan.ae