»عزيزي بانكسي. تعرفت اليك للمرة الأولى خلال الشتاء الماضي، في برلين، حين شاهدت فيلما عن فنك وعالمك الغريب، عرض ضمن مهرجان المدينة السينمائي بعنوان »الخروج من محل الهدايا« ولاقى استحسانا كبيرا من المشاهدين الذين هرع بعضهم الى شراء كتاب عن الظاهرة التي بت تشكلها في عالم رسوم الغرافيت وفنون الشارع (ستريت آرت) بشكل عام.
وحينذاك، ضحكت كثيرا من قدرتك، أنت البريطاني الذي اختبرت العالم التحتي القاسي والمبدع في مدينتك بريستول، على السخرية المرة من أبناء جلدتك، واختراق تلك الأسوار العاتية من التحفظ والانغلاق والتشاوف التي تميز الشخصية البريطانية في كثير من الأحيان، لكي تكشف عن جوهرها الهش. انك الشخص الوحيد الذي، حسب معرفتي، دخل خلسة الى متحف لندن، لا لكي ينزع عن جدرانها لوحة، بل لكي يضع لوحة.
وفعلا، لقد كشفت، عبر هذه الصولات والجولات، عن هشاشة النظام الأمني الذي يدعي أنه قادر على حماية الإبداع الانساني، ربما أكثر من قدرته على حماية الانسان نفسه.
أردت أن تقول إن السلطة التي تستثمر الملايين من أجل حماية الارث البشري، سواء تشكل من آثار أو لوحات أو تحف أو مجوهرات، وتتفانى في سبيل ذلك، من دون أن تأبه الى حياة البشر أنفسهم في الضواحي والأحياء السفلية، التي لطالما اختزنت جدرانها حكايات فناني الغرافيت ورسائلهم المتمردة®. تلك السلطات ما هي الا سلطات مدعية، سطحية، وقلاعها التي تظن أنها محصنة، بوسع فنان من الشارع أن يقتحمها.
وهكذا فعلت، وضعت لوحات مزيفة وكاريكاتورية، الى جانب اللوحات العظيمة، وبقي بعضها معلقا في مكانه أياما طويلة قبل أن يتم اكتشاف اللعبة. في لعبتك هذه أيضا ادانة لجمهور المتاحف أنفسهم.
الى اولئك الذين ينبهرون بكل شيء، وأي شيء، لمجرد أنه موجود في متحف، وهذا يعكس تعلق الناس بالمظاهر والقشور، وعصر الاستهلاك الذي يجعلنا نهضم كل شيء، وأي شيء من دون أن نفرق بين الأصيل والمزيّف.
عزيزي بانكسي Banksy، ابن السابعة والثلاثين من العمر، الذي لا يعرف أحد لك وجه أو عنوان، والذي يشتري نجوم الفن والسياسة أعمالك اليوم بآلاف الباوندات، رغم أنها تجسد فنون الشوارع المهملة، أقترح عليك، بعد تجوالك على متحف بريطانيا وأميركا وفرنسا أن تزور مصر.
فمتاحف القاهرة، التي سرقت من احداها مؤخرا لوحة فان غوخ »زهرة الخشخاش«، تفتح لك أحضانها لكي تخترق أي عتبة من عتباتها وتلعب لعبتك الأثيرة، من دون حتى أن تتكبد عناء التنكر.
واذا قمت بمضغ علكة ولصقها على عدسة أي من الكاميرات في المتحف، فلن يلاحظ المراقب الفرق بين »لطشة« العلكة وحلول الظلام، هذا اذا كان موجودا أصلا في غرفة المراقبة التلفزيونية، وهذا اذا كانت الكاميرا تعمل من اساسه.
ولا تجزع من دقة المسؤولين في المتحف، فعضو لجنة فتح متحف محمود خليل أثبتت في السجل يوم الواقعة وجود اللوحة المسروقة، على الرغم من انها لم تشاهدها على الطبيعة.
ولدينا من عينة هذه الموظفة صاحبة الضمير المشع، كثر. عزيزي بانكسي، ما عليك سوى أن تعيّن المتحف الذي تريد أن تلعب فيه، واترك الباقي علينا وعلى مسؤولي العهدات لدينا!
