»يجب أن نعرف الاستبعاد، فالكاتب الجيد لا يعرف بما ينشره، بقدر ما يعرف بما يلقيه في سلة المهملات®. واذا كان يستبعد فهذا يعني أنه يمضي في الطريق الصحيح. ويجب على أحدنا حين يكتب أن يكون مقتنعا بأنه أفضل من ثيربانتس، أما عكس ذلك فإن المرء سينتهي لأن يكون اسوأ مما هو في الواقع®.«. الاجتزاء للروائي العالمي غابرييل غارسيا ماركيز، من كتابه »كيف تروي حكاية«، الذي ترجمه للعربية صالح علماني ونشر عن دار المدى قبل سنوات.

وأكاد أجزم أنه موسوعة حقيقية في تعليم مهارات التفكير الجماعي، إذ يضم في ثناياه تسجيلا لورش عمل بين ماركيز (غابو اسمه المخفف) وتلاميذ كتابة سيناريوهات الأفلام القصيرة. وهو كتاب، أتمنى أن ترسل منه نسخ الى كتاب دراما مسلسلات رمضان، لكي يعرفوا أن الحكاية هي بذرة تحتاج الى عناية وجهود مجتمعة من أجل أن تنبت وتينع أغصانها وتزهر، فيطيب للمشاهدين في رمضان أن يشتمّوا عطر الحكايات، لا أن يشتموا الساعة التي جلسوا فيها قبالة مسلسل.

ولا أعرف ان كان كتاب الدراما يعرفون شيئا عن ميغيل ثيربانتس، الذي جعله غابو معيارا للكتابة الشيقة، وما دون ذلك يجب أن يظل في صندوقة القمامة. وثيربانتس هو صاحب رواية »دون كيشوت«، احدى الروايات الكلاسيكية الخالدة، وصورته منقوشة على نقد الخمسين سنتا في اسبانيا، تقديرا لتفانيه في خدمة الامبراطوية الاسبانية ابتداء من العام 0851، وكان له حظوظ سيئة مع المال والمصارف، وتكبد عناء الافلاس ومات معدما في بلاد الرخاء والازدهار.

وبوسعنا أن نضيف »دون كيشوت«، الى حزمة الكتب المرسلة بالبريد السريع الى مبنى اتحاد الاذاعة والتلفزيون المصري، أو شركة العدل غروب، أو الصباح اخوان، أو غيرها من كبرى الشركات العربية الضالعة في انتاج الحكايات.

ويبدو لي، من خلال متابعة جزء كبير مما يعرض، أن المؤلف يرسل نصه الى المخرج »من الباب الى الطاق«، أي ربما مع الأخطاء اللغوية والبنيوية، ناهيك عن تشوهات الأفكار غير المنطقية. وبوسعنا أن نرفع شعار أغنية نانسي عجرم »شخبط شخابيط« على غالبية السيناريوهات، ونترحم على أسامة أنور عكاشة الذي فارقنا باكرا، والذي تعرض ذات يوم (انظروا الى المفارقة) الى حملة تشويه كونه »يشرك معه كتاب شباب في ورشة تنتج الأعمال التي يضع عليها اسمه«.

ولو كنت مكانه لما فعلتها، هذا ان صح الاتهام، لكنني ارفع له القبعة كونه رغب بكسر فكرة الكاتب الواحد »المقدس« في السيناريوهات، وفكر بأهمية »عصف الأفكار« أو »برين ستورمينغ« في انتاج عمل متميز.

ومتصفح كتاب »كيف تحكي حكاية« الذي يحمل عناوين أخرى ساحرة مثل »نزوة القص المبارك« و»بائعة الأحلام«، سيغرق، من دون شك، في عالم ممتع من التحريض الفكري والابداعي عالي المستوى، والأجواء الجماعية المؤثرة التي لا تغيب عنها معرفة ماركيز، ولا تجربته المهنية والشخصية، ولا دعاباته وحسه الساخر في التعاطي مع طلاب الورشة. يبقى علينا أن نجيب عن السؤال المحير: كم نسخة من هذا الكتاب يتوجب علينا ارسالها بالبريد لكي نضمن ابداعا على مستوى ثيربانتس؟

ibrahimt@albayan.ae