لو كان الروائي والشاعر الفرنسي فيكتور هوغو ابن هذا العصر، لكان احتج على طرد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للغجر، وترحيلهم الى رومانيا على متن الطائرات.

فالكاتب قد استوحى بطلة احدى الروايات الخالدة في التاريخ »أحد نوتردام (حولت خمس مرات للسينما) من عوالمهم، فأصبحت »ازميرلدا«، عبر حب الأحدب المقيم في كاتدرائية نوتردام، رمزا للجمال والحرية والشغف طيلة أكثر من قرن ونصف القرن.

اليوم، »ازميرالدا«، ومئات آلاف الغجر في فرنسا، ممن يلتقون كل عام في المدينة الجنوبية الساحلية سانت ماري ديلامير، بأقرانهم من العالم أجمع، ويحيون يومي 42 و52 من مايو كل عام كطقس من طقوس الحج لدى هذه الفئة من البشر التي لا تؤمن بتملك الأراضي او العيش في بقعة وا حدة طوال الحياة®. هؤلاء لن يكون لديهم الحق بالتجمع مرة أخرى.

لكن فرنسا، التي يتخذ بعض اعلامها الناطق حديثا بالعربية مثل »فرانس 42« شعارا مفاده: نحن لسنا الحرة، نحن لسنا أميركا، نحن قناة العلمانية والديمقراطية والتعددية (يبث الاعلان يوميا على راديو مونت كارلو الدولية)، هي فرنسا التي تضيق يوما بعد يوم على كل موجود على ارضها لا يتحدر من الأصل اللاتيني الأوروبي.

المفارقة أن الغجر الذين يتهمهم الرئيس الفرنسي، بأنهم بؤر الجريمة في فرنسا، هم أنفسهم الذين فجروا القطارات الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وساعدوا المقاومة الفرنسية عبر تزويد رجالاتها ببطاقات تموين مزورة وأوراق شخصية، لخداع السلطات الألمانية المحتلة.

وقد نقلوا المؤن والذخائر والمعلومات وأعضاء المخابرات بخفة وبراعة تميز حركتهم، وذلك رغبة بالانتقام من النازيين الذين ساقوهم الى معسكرات الإبادة الجماعية، كما فعل قبل ذلك بأربعمائة عام الامبراطور الروماني شارل السادس حين أمر بقتل ذكور الغجر، وقطع أذن واحدة من كل غجرية في بوهيميا ومورافيا. لكن أوروبا، وكعادتها، تنسى أصدقاء الأمس، حين تتغير المصالح، وتشتد النزعات اليمينية المتطرفة التي باتت هي الوصفات الأنجع للحصول على أصوات الناخبين ودخول »التاريخ«.

ويعتقد الغجر أن نمط حياتهم هو الذي يجب أن يحياه الانسان، بل ينظرون الى بقية الناس من غير الغجر، بمن فيهم أنا نفسي وساركوزي، ونظرة ازدراء ويسموننا »غادجو- gadjo«، أي الفلاحين. ولكن، لم يوقف ذلك جماعة المبدعين من الغادجو من الانبهار بالغجر وعوالمهم وطباعهم، وتأليف الروايات والقطع الموسيقية والرقصات التي استلهمت الكثير من ثقافتهم.

وشخصيا، أنا من اشد المعجبين بالنسخة المسرحية من »احدب نوتردام« المسماة »نوتردام باريس«، وهي مسرحية غنائية على غرار أعمال »شيكاغو« قدمت ولا تزال منذ أكثر من عقد على مسارح العالم وبلغات مختلفة، وبوسع »غوغل« أن يهدي من يشاء الى أغاني المسرحية البديعة بمجرد نقر notre dame de paris. أغنيتي المفضلة »بوهيمية« تغنيها ايزمرلندا، حانقة على السطلة المضطهدة.

كما اليوم، بحرقة وتحد. تقول: اتخذت من باريس وطني، لكن حين أتذكر البحر، أذهب بعيدا من هنا، بوهيمية أنا، ابنة الطرقات، سأقطعها بعيدا عن فرنسا، خارج الحدود®. الى نهر في الأندلس، يجري في دمائي وعروقي«. أغنية رقيقة لكن الغجر بوسعهم ان يكونوا أشرارا أحيانا، ويصنعوا السحر من الضفدع والطاووس والديك. فليتخذ ساركوزي حذره، ولا يزور أي حديقة حيوان قريبا!

ibrahimt@albayan.ae