طالعت في «فايننشال تايمز» عرضا لكتاب صدر حديثا عن دار بينغوين العريق باسم «ملك السكر في هافانا، صعود ونهاية خوليو لوبو الحوت الأخير في كوبا»، وقررت شراءه.

وذكرتني المقالة التي كتبها جون دومنغيز، الأستاذ في جامعة هارفرد، بمئات المقالات والدراسات التي كتبت لكي تتغنى بمظاهر الحياة الكوبية قبل ثورة فيديل كاسترر وتشي غيفارا في ستينيات القرن الماضي وتحويل الجزيرة الى محمية اشتراكية لا تزال مستعصية، رغم عزلتها السياسية، على رأسمالية الولايات المتحدة حتى اليوم، لكن أيضا على تطورات الحياة العصرية التي لم تجانب شواطئ كوبا منذ ستة عقود.

كذلك تذكرت سلسلة من التحقيقات التي تنشرها الصحافة الأميركية، وفي طليعتها، نيويورك تايمز، عن يوميات البسطاء في فنزويلا، مثل المزارعين والحرفيين والمهمشين، أو أمجاد الشركات متعددة الجنسية وتجارها ومساهماتهم البناءة في المجتمع الفنزولي قبل أن يضيق شافيز الخناق عليهم وينظر اليهم كشياطين. وعادة ما ترمي هذه الكتابات الى خلق رأي عام مناهض للفكر المعادي لأميركا، بطرق غير مباشرة، لكي يتم هضمها بسهولة، عن طريق الاعلام.

وذلك بتصوير بريق الحقبات التاريخية التي سبقت هيمنة «الثوار»، وفي الوقت ذاته ظلامية وظلم البشر الذين يرهنون رقابهم تحت نصال قادة الثورة. وربما يستحق مزارعو كاليفورنيا او سهول جزيرة جيجو في كوريا الجنوبية، حليفة أميركا، أيضا مساحات موازية لتلك التي تفرد لتصوير معاناة فلاحي الأنظة الشمولية المعادية للرأسمالية، لكن ذلك لا يناسب أجندة الاعلام الغربي.

وفي كتاب «ملك السكر في هافانا»، يتضح لنا مدى اشتباك الاقتصاد الأميركي، قبل حقبة كاسترو بمصالح التجار الكوبيين، حتى ان لوبو هذا كان يحتكر في الأربعينيات تصدير نصف السكر الكوبي الذي يذهب الى اميركا.

ونصف ما يذهب لبورتو ريكو وستين بالمائة مما يذهب للفلبين. وهو الرجل الذي تمكن في صيف العام 0691، عام بدء العقوبات الأميركية على هافانا، من أن يكون المورد الوحيد لمستهلكي السكر في الولايات المتحدة. ويذكر الكتاب، الذي وضعه محرر الشؤون اللاتينية في «فايننشال تايمز» جون راثبون، مفاجأة من العيار الثقيل حين يقول ان رجل الثورة تشي غيفارا قد عرض على لوبو أن يحوله الى وجه الثورة في عالم صناعة السكر.

لكن هذا الأخير رفض أن يتحول من مليونير ومالك لمساحات شاسعة من الأراضي والمصانع ومتداول بالذهب الأبيض (آنذاك) في بورصة وول ستريت.. الى «أجير» براتب، من أجل عيون الثوار، وفضل أن يلجأ، كما مئات الاقطاعيين والتجار، الى منفاه في أميركا، لكي ينكش راثبون سيرته هذا العام.

وفي زمن العولمة الأميركية، لا يعيش المثقف العربي بمأمن عن كل محاولات تدمير الأفكار الأيديولوجية التي طبعت أيامنا لعقود، خاصة في فترات الخمسينيات والستينيات، حيث اننا نشهد حركة كثيفة لمنتجات ثقافية مثل الكتب، وأكثر شعبية مثل الأعمال التلفزيونية، هدفها رواية الحقائق التاريخية بمقاربات جديدة بعيدة عن الراديكالية، وتشكيل وعي الجيل الجديد، الجاهل بأمور التاريخ وكتابه.

وفي هذا الاطار، بوسعنا أن نضع الأعمال التجميلية التي تطرقت في السنين الأخيرة للحقبة الملكية في مصر، من خلال مسلسلات مثل «فاروق» أو «ملكة في المنفى»، حاولت أن تعيد الاعتبار الى شخصيات ذلك العهد الذي يعرف فلاحو مصر، وربما فنزويلا، حقيقة طبقيته وتوحشه!

ibrahimt@albayan.ae