يبدو أن شركة »بروكتر أند غامبل« الأميركية، المسؤولة عن عشرات العلامات التجارية للبضائع التي تستهلكها بيوت العالم ليل نهار، أرادت هذا العام أن تزج بعلامتها التي انقضى على ابتكارها نصف قرن وهي »ايرييل« مسحوق الغسيل، في مدارات جدلية، عبر سلسلة من الاعلانات التي تسوّق العبوات المختلفة لبودرة وسائل التنظيف، بكل اللغات.

ولم تترك »بخات« ايرييل الذي تعرفه امهاتنا جيداً، ويتحمسن له الى الحد الذي يجعل من اياديهن الرقيقة خشنة قبل الأوان، جورج بوش ولا هتلر ولا حتى الزعيم الهندي خالد الذكر، غاندي، من رذاذها، وآخر ابتكاراته هو جعل الأمهات المصريات يبكين في رمضان لقيامه بتسفيرهن لأداء فريضة الحج. في التفاصيل أن حملة اعلانية لسائل »ايرييل« ذي العبوة الخضراء، أثارت في الولايات المتحدة غضب الجمهوريين.

حيث هزأت من جورج بوش، واعتبرت في اعلانات بثتها على الانترنت أن المنظف قادر على ازالة »أسوأ البقع« في التاريخ، وببخة واحدة تتحول صورة بوش الى المهاتما غاندي.

ولم يتوقف الأمر عند الجمهوريين، فاليهود أيضاً، وكما عائلة شارلي شابلن، اتفقوا على الانزعاج من الاعلان الذي يحوّل صورة الزعيم النازي أدولف هتلر الى شارلي شابلن، فما فعله هتلر بنظرهم ليس »تهريجاً«.

وقد يتساءل القارئ هنا ولم الانزعاج من هكذا اعلان يريد أن يقول إن العالم »انظف« لو كان فيه أمثال شابلن وليس هتلر، لكن التفسير لا يخفى على أحد، فالعالم، يحتاج الى هتلر دوماً، بصرامته وسوداويته لكي يبقى شاهداً ابدياً على معاناة اليهود.

يذكرني هذا أيضاً بالمواقف الاحتجاجية التي جابهت فيلمه »انجلوريوس باستر« لكوينتن تارنتينو، الذي يقلب الأدوار المتعارف عليها التي اعتدنا عليها في أفلام »الهولوكوست«، فيظهر اليهود في دور النازيين.

وقد نال هجوماً شرساً من جماعات الضغط اليهودي، نرى اليهود يضربون رؤوس النازيين بمضارب البيسبول، ويحفرون الصلبان المعقوفة على جباه الضحايا الذين يبقونهم على قيد الحياة. وكان الرد بليغاً من خلال فيلم آخر لمارتن سكورسيزي هو »ذا شاتيل آيلند«، (شاهدته في دورة مهرجان برلين العام الماضي.

وأذكر ان المتحيزين لسينما الهولوكوست كانوا سعيدين جداً به)، إذ أعاد هذا الفيلم »القضية«، التي تحتفي بها أفلام برلين بشكل ظاهر كل سنة، الى بعدها »الواضح« والمألوف، بعيداً عن تلك »الارتباكات« التي بدأت تظهر في أفلام منتجة خلال السنوات الخمس الماضية، والتي أرادت تجاوز صورة اليهودي الضحية، إلى صورة أكثر واقعية، هي »اليهودي الناجي«®.

فقط. وبالعودة الى »ايرييل« فإن وكالة الاعلان التي تصمم دعاياته في مصر آثرت في رمضان أن تجعله يطرق على باب الأمهات الفقيرات، ويختار من بينهن من تنال جائزة »ايرييل« وهي عبارة عن تذكرة الى مكة المكرمة من أجل أداء فريضة الحج.

تبكي ربة المنزل وهي تنظر الى الكاميرا مرتبكة (ذكرتني اللقطة بمشهد مماثل من فيلم خيري بشارة الرائع يوم مر يوم حلو أدتها سيدة الشاشة فاتن حمامة)، وهي تقول: »شكراً الى ايرييل الذي يعرف ما في قلوب الناس، شكرا لتحقيقه أحلام البسطاء والمحرومين!«®. ويبدو أن هذه السلسلة من الاعلانات لن تكون الأولى والأخيرة في سلسلة »البخات المؤثرة«!

ibrahimt@albayan.ae