لو كنت منتجاً للدراما، أو كاتب سيناريست، لهرعت إلى رواية الكاتب اللبناني الشاب ربيع جابر »أميركا« وحولتها الى مسلسل، لا في ثلاثين حلقة فقط، بل ربما ستين، مع ضمانة بعدم الضجر.

فالرواية التي صدرت قبل شهور، ورشحت الى جائزة »البوكر« العربية، تحكي سيرة المهاجرين اللبنانيين الى أميركا بداية القرن الماضي، حيث لعب هؤلاء (كانوا في أميركا يسمون كل من يأتي من لبنان وسوريا وفلسطين سوريا)، دوراً في بناء المدن الأميركية الكبيرة، وكانت مهنهم جزءاً من اقتصاد شركات السيارات والصناعة والنسيج الكبرى.

وبوسعي أن أتخيل من الآن سولاف فواخرجي »ان كان لها إجادة اللكنة اللبنانية«، وهي تقوم بدور مرتا التي تركت قريتها الصغيرة بتاتر في جبل لبنان، وركبت السفن والقطارات بين بيروت والاسكندرية ومرسيليا وشواطئ »أليس أيلند« قرب نيويورك، بحثاً عن زوجها الذي انقطعت أخباره، لتمضي بنا الرواية في عالم بديع يرسم تفاصيل حكايات المهاجرين الأوائل الى اميركا، أكثر من نصف قرن تكشف عبر تاريخ مرتا وكفاحها، تاريخ جزء من هؤلاء المهاجرين، الذين تريد فئة كبيرة من الشعب الأميركي اليوم محو آثارهم وبصماتهم، والادعاء أنهم ليسوا من نسيج نيويورك وشيكاغو وديترويت، ولا يستحقون أن يقيموا مسجداً أو نصباً في شوارع المدن.

وقد استمعت قبل اسبوعين الى خطبة عمدة نيويورك التي قال فيها إن المدينة بنيت على أكتاف المهاجرين من العالم كله، ومن بينهم العرب والمسلمون، وتذكرت حكايات »الكشاشين« (الكشة هي صندوق يحمله البائع المتجول في قرى وحقول أميركا، ويحشوه بالمطرزات والأقمشة التي تباع لربات بيوت ذلك الزمان)، وتذكرت أيضاً أن دعوات المعارضين لتثبيت هذه الحقائق التاريخية، والبناء عليها، ومحو حكايات العرب من كتب المدن الأميركية، هي محاولات قديمة ومستمرة.

قديمة الى الحد الذي تجعلني مقالة بين يديّ منشورة في المجلة الشهيرة »ناشونال جيوغرافيك« بتاريخ يناير 8191، وعنوان »من القدس الى حلب«، أفكر أن العنصرية تجاه المهاجر العربي مستوطنة منذ زمن بعيد، وقبل أحداث 11 سبتمبر بعقود. على مدى عشر صفحات يروي التقرير رحلة الكاتب ورفيقيه من حيفا »سقا الله زمانك يا حيفا« إلى طرابلس، وصولاً الى حماه وحلب، ومروراً بجبال الأرز وبعلبك وبشري في لبنان.

وهنا، في بشري، يدور مشهد أضحكني لكثرة سذاجته و»السم« المدسوس في ثنايا عباراته، وأحزنني في الوقت ذاته أن أعرف أن التشويه هو صناعة ممتدة في تاريخ الاعلام الغربي، قبل ظهور الفضائيات وصحف مردوخ، وحين كانت »ناشيونال جيوغرافيك« هي عيون الأميركي، الوحيدة، على ما هو خارج بلاده. يلتقي الكاتب مزارعاً لبنانياً يحمل العنب، وحين يعرف انه في حضرة اميركيين، ينبري لكي يقول: »أميركا غود®. هير نو غود®. أميركا ترين.

هير دونكي®.«، ولا يحتاج الأمر الى ترجمة فالمزارع اللبناني، الذي اتضح أنه مهاجر أميركي يقضي عطلة الصيف في بلده، يتغنى بالقطار الأميركي، ويذم الحمار اللبناني. يقول الكاتب: »السوريون ينامون في شقق شيكاغو مثل السردين المكدوس، ويوفرون المال لكي يبنوا بيوتاً فخمة«. ولا ينسى أن يختم: »على الرغم من أن البيوت جميلة لكن الطرقات قذرة.

ibrahimt@albayan.ae