العنصرية ليست شمالا ضد جنوب. أبيض ضد أسود. دين ضد دين. طبقة ضد طبقة. العنصرية هي في اختزال الآخر، إلغاؤه، مصادرة حقه بالإنسانية، بأن يكون مكرما في حياته، وأيضا في ذكراه بعد الرحيل.

ونحن، الصحافيين، ننجر إلى العنصرية من دونه أن ندري. في هفوات، وسقطات كثيرة. في سياق يجرح، وكلمة تدمي، وحملة تستنهض مشاعر سلبية عند فئة من القراء، لا تليق بدورنا، المفترض، كحاملي رسالة تحرض على الخير والحب والجمال والأخلاق.

حين يموت الطفل في كندا، أو الجندي الأميركي في العراق، أو موظف الأمم المتحدة على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، أو يخطف الناشط الفرنسي في باكستان، أو يسجن المتهم البريطاني في إيران®. تتخذ هذه الشخصيات حيّزها المناسب في وكالات الأنباء العالمية، وتبعا صحافة الغرب، وتبعا أيضا، الصحافة العربية.

ننشر الصورة والخبر، ونفرد المساحة للمأساة. ثم أيضا نتجاوب مع مفهوم »الفولوينغ آب« (أو المتابعة) الذي يمتهنه الصحافيون في الغرب، ويكاد يكون نادرا لدينا.

كم مرة قام أي منا بمتابعة قصة صحافية نشر خبرا عنها قبل عام؟ أو حتى شهر؟ كم مرة »نكشنا« في »قبور« الأخبار البائتة، التي تمسنا، وقمنا بإحيائها من جديد؟ تفجّعنا لضحايا »بو غريب« وذرفنا الدموع لاغتصاب الفتاة العراقية عبير الجنابي ذات الخمس عشرة ربيعا قبل اغتصابها، ثم قتلها وحرقها مع أفراد من عائلتها على يدي أربعة جنود أميركيين قبل أربعة أعوام®.

وكتبنا، كتبنا الكثير، لكننا أبناء اللحظة، أولاد الانفعال، وخبزنا لطالما كان كفاف يومنا، بينما خبز الآخرين، يخزن ويوضب ويعلب من أجل الأجيال المقبلة. ذابت عظام ضحايا المحارق النازية، لكن العالم لن يشفى من »خبز الهولوكوست« وسيظل يمضغه الى الأبد. »شهداء« كل حروب الامبراطوريات التي حكمت بحارنا وأراضينا، سنظل نرش الماء على أضرحتهم، ونلمع الحروف النافرة على أنصبتهم، ما شئنا وشاءت مصالحنا.

سؤال بسيط: ماذا عن شهدائنا؟ موتى العرب والمسلمين؟ أو موتى كل إنسان لا ينتمي إلى الحضارة الحاكمة، وعواصمها المتوزعة بين واشنطن ولندن وباريس؟ لماذا نشرات أخبارنا الناطقة بالعربية تحصي قتلى الجنود الأميركيين في أفغانستان.

وصلوا إلى ألفين حتى لحظة كتابة هذه السطور. تهتم الأخبار بإعلامنا عن تزايد عددهم، فردا بعد فرد، قطرة بعد قطرة، كالزيت في قنديل الأسى. نستورد صياغة وكالات الأنباء الأميركية والفرنسية والبريطانية، ولا نتدخل. لماذا لا نرفق ذلك الرقم، كلما ذكرنا، وكررناه كالببغاءات، بأرقام القتلى المدنيين الذين دفنوا تحت التراب في أفغانستان، بحجة محاربة الإرهاب.

هل البشر في افغانستان غير البشر في نيويورك؟ ولماذا يصبح همنا ليل نهار متابعة قضية المتضررين من بقعة النفط المتسربة في خليج المكسيك، وتظاهراتهم، واحتجاجاتهم، وأسماكهم.

من منا فكر، على سبيل المثال، في المآسي التي خلفها تنقيب »بي بي« في حقول بأفريقيا، والتي وثقها فيلم بريطاني »ولله الحمد شهد شاهد من أهلهم« بعنوان »زمن الغباء« أو the age of stupid؟ لا أعلم الاجابة، ولكن اعرف ان العنصرية لم تعد تؤلمنا ولا تشغلنا، وأعرف ان محمد هنيدي حين يذكر في »عندليب الدقي« ان الهندي بمثابة كلب®. لا زلنا نضحك!

ibrahimt@albayan.ae