مشكلة الطلاق في عالمنا العربي لم تكن يوماً شأناً ذكورياً، مع أنها ليست سوى كذلك. ومن اللحظة التي يتخذ فيها الوالدان القرار بأن يكون للمجتمع، متضمناً الخال والعم والجار وبائع البقالة، ناهيك عن العادات والتقاليد، السلطة الأولى لتشكيل العلاقة مع البنت، بعيداً عن حقها بالمعرفة والنضج والقرار، واتخاذ خيارات ملائمة لها، ستكون النتيجة وصفة فعالة لتصنيع ضحية مثالية.

لعبة طرية تتقاذفها الظروف والتدخلات والخيارات المشوشة التي نطلق عليه تلطيفاً توصيفات مثل »الأقدار« و»النصيب«، والتي تنصب لها أفخاخ من الظلم، تكاد تحولها من الضحية الى المتهمة.

متزوجة تتعذب مع زوج مفروض عليها، غير مناسب لأن يكون الشريك الذي يتمم قصة الحياة الغريزية، بأن يجتمع الذكر والأنثى تحت سقف واحد، لإنشاء العائلة المثالية والمساهمة الصحية في صيرورة المجتمع ودوامه.

تتعذب وحدها، وعند نقطة الانفجار، يحدث طلاق. ثم تبدأ رحلة جديدة من المعاناة التي تصبح، وهنا، وكما في كل مرة، تكون المعاناة قصة فردية. مسؤوليتها وحدها، فلا دخل للاب ولا الأم ولا الأخ (أو زوجته) ولا القريب ولا الجار ولا صاحب البقالة.

في الغالب، لا تكون هذه المرأة مهيأة لأن تثور أو تتمرد. كيف لها، وفي أصول التربية الشرقية للبنات، لطالما كان تمرد الأنثى عاراً، أو في أبسط الأحوال، قمة ضروب الوقاحة.

الاستسلام، الخضوع، هو من شيم الكريمات اللواتي يتمتعن بالحياء والخفر، وهما من العناصر التي تلقي فعلها في نفس الرجل. ولأنها لا تتمرد ولا تثور، أو لا يتأتى لها ذلك، تذبل المطلقة (نتحدث هنا عن الصورة الغالبة رغم وجود استثناءات مؤثرة)، وتنقضي حكاية انسانية في كتاب الأيام، من دون ان تبدأ، وكأن ذلك الكائن الذي ضحك طفلاً لأحلامه، لم يكن سوى خيط وهمي في ذلك الكتاب.

ثم تأتي حكايات رمضان لكي تنبش في هذا الكتاب. يخوض كتاب الدراما (نسبة الكاتبات ضئيلة جداً مقارنة مع الهيمنة الذكورية) في رسم شخصية المطلقة الضحية، في أعمال كثيرة تمتد بين الشام والخليج والقاهرة.

يظهرونها متمردة، مكافحة، تواجه التحديات وتنتصر، على خلاف الصورة الغالبة على الواقع. ينتصر الكتاب، على الشاشة، لنموذج مهزوم في المجتمعات العربية، ويساهمون، بقصد أو من دون قصد، بمد المشاهدات اللواتي اختبرن تجربة الطلاق بجرعة مناسبة من الوهم، الذي تؤججه الأجواء النفسية العاطفية التي تميز رمضان.

تتابع المطلقات حكاياتهن على الشاشات، ويتمنين ويحلمن لو كان بوسعهن ان يفعلن الأمر ذاته، كما بطلة القصة، ليفاجأن بأن الواقع أشرس، مهما بلغت حدة الدراما، واصطخبت فيها أجواء الصراخ والعويل ونداءات الاستغاثة وصيحات الانتصار.

ثم ينصرف رمضان، وتنصرف الحكايات عن المطلقات، ليصبحن مادة جديدة لاستهلاك البرامج التلفزيونية المسماة »توك شو« والتي تمتاز بلغتها الخشبية. لغة تقول كي لا تقول، وتنطق كي لا تعني أي شيء. لكن في الواقع، تغيب البرامج الاجتماعية والنفسية الحقيقية لتأهيل المطلقة وترميم انكساراتها.

ibrahimt@albayan.ae