صباح من دون ماكياج. هل تودون فعلا رؤيتها على هذه الشاكلة، وقد تجاوزت السبعين من العمر. ماذا نجني، نحن الاعلاميين حين نصوّر الناس على فراش المرض، فكيف اذا كانوا في شتاء العمر، عجزة، لا حول لهم ولا قوة. »مع نضال«، برنامج الاعلامية اللبنانية الجدلية نضال الاحمدية على قناة »القاهرة والناس«، يعدنا بهذه الاطلالة.

منذ زمن طويل ارتضت ابنة وادي شحرور أن تكون شاغلة دنيا الاعلام وناسه. فساتينها، أزواجها، قصة شعرها، أفلامها، معاركها الغنائية، ابنتها هويدا، رشدي أباظة، فقرها المفاجيء والمخجل (محرج هذا الأمر لحكومة لبنانية تتباهى بوجوه ثقافتها في كافة المحافل ولا تكترث لأمراضهم وأحوالهم التعسة)®.

شكلت حياة صاحبة »ساعات ساعات« مادة خصبة للإعلام بكافة الوانه، الرمادية الجدية والصفراء الباهتة. هل كرهت صاحبة الشأن هذه الماكينة التي تجتر حياتها ليل نهار؟ بالتأكيد لا، والدليل، أنها وهي على فراش المرض (أمد الله بعمرها) لم تقل:

لا. في لقاء أخير مع غابي لطيف على اذاعة مونت كارلو الدولية، في (بدون قناع)، قالت صباح أنها زهدت الدنيا، ومر عليها كل شيء، وهي تنتظر الموت من دون أن تخاف. وصفت الأمر، بطيبتها ولطافتها، الذين يقاربان حد (الزهد) أحيانا، خاصة في السنوات الأخيرة:

»زهقت من الدنيا، اريدا تغييرا«. مرارة هائلة خلفتها تلك التصريحات في قلوب جمهور الشحرورة الذي، وان كان جزء منه قد انصرف عنها بعد كبرها، الا أن جزءا كبيرا رفعها شعارا لحب الحياة وحرية الأشخاص بالتمتع بهذه الحياة حتى آخر رمق، في الحدود التي يتيحها منطق »تنتهي حريتك حين تبدأ حرية الآخرين«. وهنا، أقول لكل المتحيزين الى اعتزال صباح، واحتجابها، والمنادين بنبذها واخفائها، طوال أكثر من عقدين ماضيين، لماذا تخيفكم هذه السيدة التي لم تؤذ أحدا، بقدر ما آذاها الآخرون؟ وهل يكون رد الجميل لمن أشاع في حياتنا، في عز قدرته، جمالا وبهجة، أن ندعو الى »موته« في الكبر.

هل تخيفنا صباح؟ تحرج ذلك الرهاب الذي يعشش فينا تجاه الكبر والموت. لماذا الشيخوخة في ثقافتنا »عيب« يتوجب علينا أن نخفيه، ونستحي منه، فيما هي في ثقافات اخرى مدعاة للاحتفال والاقتداء والتكريم.

هل الثقافة الشرقية تميل فعلا الى الأسى، بدل الفرح؟ شخصيا، ارفض هذا المنطق، الذي يستخدمه كل من أراد تشويه أو تدمير صورتنا، لمآرب سياسية أو عنصرية، وتصويرنا على أننا نتحرك في »ثقافة الموت«. قيمنا الدينية والتراثية تحرضنا على الجمال والمحبة والسلام، على الحياة، ضمن معايير محددة تنبذ الفرقة والسرقة والقتل والاغتصاب®.

ما لنا وصباح؟ نتركها لخالقها. من منا من دون خطيئة لكي نرجمها بأحجار طوال الوقت. نطالب بأن »تحترم نفسها«.هل شاهدها أي منا عارية ذات يوم. هل تزوجت خمس رجال في وقت واحد؟ (هذه حكايات لا نجدها الى في أدراج السيناريست المصري مصطفى محرم صاحب الحاج متولي ومؤخرا زهرة وأزواجها؟).

نقول أن صوتها بات »نشازا« وعليها أن تتوقف، لكننا في المقابل نمجد ايديث بياف ونينا سيموني وهيتشكوك وكل فنان وحتى نجار في الغرب لم يتوقف عن الابداع حتى رمقه الأخير. صباح مريضة ومن دون ماكياج ليس »خبطة صحافية«. انه اساءة لمنهجها في طوال 05 سنة، حتى لو ارتضت هي بهذا الظهور!

ibrahimt@albayan.ae