نحمد الله أن رمضاننا الحالي غير متخم بوجبات السير الذاتية التي اعتدنا عليها طيلة السنوات الماضية، منذ ان افتتح محفوظ عبد الرحمن هذه الموضة في »أم كلثوم« قبل عشر سنوات (طبعا ملسلات السير التاريخية سبقت بكثير). نجاح المسلسل لفت نظر المنتجين الى بيضة الذهب، فتدافعوا يبحثون عنها في كل »قن« و»مزرعة«، ونبشوا ارشيف المذكرات ومجلات الهلال وروز اليوسف والكواكب، ووصل الأمر ربما الى مراجعة موقع »الجزيرة« وحلقات أحمد منصور »شهادة على العصر«.
ولا يمكن في الأحوال الطبيعية اختزال حياة كاملة لشخصية مؤثرة في فيلم سينمائي ولا حتى مسلسل من 03 حلقة، ولكن من قال إن حياة النجوم تنبض بكاملها ب»الأكشن«، الذي يصلح لأن يكون قماشة جذابة ومسلية؟
فاذا اراد كاتب السيناريو أن يصنع عقدة في كل حلقة (نتحدث هنا عن مسلسل محبوك)، ليعاود فكها في حلقة أخرى، فهذا يعني أنه يحتاج الى 02 عقدة كحد أدنى. وقد لا تكون سيرة ليلى مراد فعلا على هذه الدرجة من التعقيد، فباستثناء غرامها بأنور وجدي و»استفادته« من أموالها، وكونها يهودية أسلمت، وكون راقية ابراهيم تكرهها وتستخدم علاقاتها مع الوكالة القومية لليهود في قاهرة الأربعينيات®.
يبدو لنا أن حياتها كحياة أي شخص آخر. لكل منا انتكاسات وتحديات واوقات للترح والفرح، نعيشها في حياتنا المديدة، لكن يومياتنا ليست بالضرورة مزدحمة بغير الطبيعي والفريد.
من هنا يضطر الكاتب الى التطويل واختلاق خطوط أخرى غير الشخصية الاساسية، فنغرق في حواديت الأخ الأكبر لأسمهان، في المسلسل الذي تناول سيرتها، لدرجة اننا ننسى الشخصية الرئيسية. كذلك الأمر بالنسبة الى المسلسل الباهت الذي حمل اسم سعاد حسني أو اسماعيل يس.
السؤال الذي يستوجب طرحه هو: هل كل شخصية عامة وجماهيرية، تصلح لأن تتحول الى 03 ساعة تلفزيونية؟ ربما تقدم تجارب »نزار قباني« و»ام كلثوم« مقاربة مختلفة. لكن الأكيد أن غالبية أعمال السير التي شاهدناها فيما مضى، ونستمر بمشاهدتها، تفتقر الى أمر أساسي: الرؤية.
لماذا هذه الشخصية بالتحديد؟ ولماذا الآن؟ لقد راهن صناع مسلسل السندريللا على استغلال عاطفة الجمهور وتجييشها بعد حادثة مقتل »زوزو« وظنوا أنه الوقت المناسب لكي يرموا بوجبة درامية عنها الى المشاهد العربي، وارتقبوا أنه سيتلقفها، ويبتلعها مهما بلغ تواضعها، فخذلتهم شهيته التي صدت في وجه المسلسل. ظنوا ان اشرف عبد الباقي قد يقنعنا بتلبس دور اسماعيل يس لمجرد أن له فما كبيرا، لكن ذلك لم يكن كافيا، ولم ينل المسلسل حظه من النجاح.
ان هذه التجارب وغيرها تستحق من الماضين في أثر هذه »الموضة« أن يسألوا أنفسهم قبل الاقدام على أي عمل سيرة ذاتية: لماذا؟ وهل يريد الجمهور فعلا أن يرى قصة حياة نجيب الريحاني في ثلاثين حلقة، أو بليغ حمدي، مثلا؟ في زمن يستطيع أي كان أن يحصل على التاريخ ويتحايل على الجغرافيا بكبسة زر على لوحة المفاتيح. نحتاج الى رؤية في المقام الأول، ومقاربات مبدعة في المقام الثاني.
