في بداية العصر المسيحي، توجهت مجموعة من الرهبان إلى أحد الأديرة في مدينة الإسكندرية، حيث أخذوا في تدوين مجموعة من أفكارهم حول البحث عن الكمال، وتم جمع جزء كبير مما كتب هؤلاء في كتاب موجود حتى يومنا هذا بعنوان: «كلمة القدماء». وفيما يلي بعض من تجليات أفكار هؤلاء الرهبان حول البحث عن المستحيل، الذي هو الكمال:

ما هي أفضل السبل؟

ـ عندما سئل الراهب أنطوني عن الطريق المؤدي إلى الجنة، أجاب بالتالي:

«هناك شكلان من التضحية. أما الأول فيتعلق بإنسان يميت شهوات جسده ويقوم بالتكفير عن أخطائه لأنه يعتقد أننا جميعاً مكتوب علينا العذاب. هذا الشخص يشعر بالذنب ويتملكه دائماً إحساس بأنه لا يمكنه أبداً أن يعيش حياة سعيدة. مثل هذا الشخص لن يستطيع إنجاز أي شيء في حياته.

النمط الثاني هو رجل على الرغم من علمه أن العالم لا يمكن أن يتصف بالمثالية التي يود جميعنا رؤيتها داخل العالم، فإنه يعمل ويجد ويصلي ويكفر عن خطاياه ويعمل على تحسين البيئة المحيطة به. هذا الشخص يحظى برعاية الرب في جميع الأحوال ومن ثم فإنه يتوج في النهاية بالفوز بالجنة.

عمل المزرعة

عبر الرجل الشاب الصحراء حتى وصل إلى دير سيتا في مدينة الإسكندرية، وهناك طلب حضور أحد أحاديث الرهبان وسُمح له بذلك. وبعد أن انتهى الراهب من حديثه، علق الشاب بقول الآتي: «لقد أسعدني الحديث بشدة. لقد تصورت أنني في سبيلي إلى سماع خطبة عن الفضيلة والقيم والخطايا. غير أن الراهب تحدث عن الطماطم والري وأشياء من هذا القبيل. في المكان الذي أتيت منه، الجميع يعتقد أن الرب يعني الرحمة، فكل ما يحتاجه المرء في هذه الحياة هو أن يصلي.

فما كان من الراهب إلا أن ابتسم وقال:

«نحن هنا في هذا المكان نعتقد أن االرب قد خلق الكون وترك كل منا في طريقه ليواصله كيفما يشاء».

سغب

وصل أحد المسافرين إلى الدير وسط أجواء عاصفة رملية. وأخذ في الصراخ والقول: «أنا جائع، أحتاج إلى الأكل».

وبسبب العاصفة فإن الرهبان لم يتمكنوا من إعداد المائدة أو تجهيز أي طعام أو شراب.

وبعد أن شعر الراهب بالشفقة على المسافر، توجه إلى حرم الدير وأخذ منه بعض الطعام والشراب وأعطاه إلى المسافر الغريب. غير أن الرهبان الآخرين تملكهم الفزع والرهبة وقالوا:

«هذا تدنيس لحرمة الدير».

فرد الراهب: «لماذا كل هذا؟ ألم تسمعوا عن داوود الذي أكل الخبز من المعبد لأنه كان جائعا؟ وكان المسيح يداوي أيام السبت عندما كانت هناك ضرورة. إن كل ما قمت به هو أنني طبقت جوهر هذه الروح. فالحب والرحمة هما اللذان يقومان بالمطلوب فعله».

ترجمة: حاتم حسين