في إطار الاطلاع العام، أجد مفارقات كثيرة بين استقبال القرن العشرين، والألفية الثالثة في إطار المسرح العالمي، وعلى الرغم من أن التجربة الإنسانية لم تفرز أبعادها لدخول البشرية الألفية الثالثة، وأن الوقت سابق لأوانه لتقييم التجربة المسرحية.

وبعيداً عن المقارنة أذكر أن دخول المسرح في القرن العشرين كانت له مؤشرات من خلال كتاب كبار كانوا امتداداً للقرن التاسع عشر وبعضهم ولد عند تخوم نهاية القرن، وأن القرن العشرين شكل في إنتاجه باكورة واسعة من أسماء لمعت في الأدب المسرحي، ونظريات ومناهج ظلت حتى الآن معتمدة في معظم العمل المسرحي، وفي الدراسات الأكاديمية.

مثلاً أبسن ولد عام 1899 أي قبل عام من بداية القرن العشرين، تشيخوف لم ينجح إلا في القرن العشرين.

مسرح موسكو الفني أنشأة ستانسلافسكي، ونميرو وفيتش دانشنكو عام 1897، وكان تأسيسه نقطة تحول في أعمال وحياة تشيخوف ككاتب مسرحي.

في المسرح الأيرلندي شكلت الأعوام 1903، 1905، 1907، 1908، 1910، ظهور كبار المسرحيين الأيرلنديين، واعتمدت مسرحيات ظلت حية حتى هذا اليوم في المسرح العالمي مسجلة لأيرلندا تفوقاً ظاهراً في هذا الفن.

في إسبانيا وإيطاليا ظهر بيراندللو الذي شكل للمسرح الإيطالي علامة بارزة في إطار المسرح العالمي، أما في اسبانيا فكان جاسنتوبينافنت الذي ولد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وأنتج في القرن العشرين أعماله البارزة إضافة إلى العديد أمثال ترنتوفانتستيكو، وجريجوريو مارينيز سيرا، والأخوان سيرامين الفاريز، وجوركوين الفاريز، ولا ننسى لوركا الذي مات بشكل تراجيدي أثناء الحرب الإسبانية الأهلية وغيرهم.

والأسماء كثيرة مثل أرسنت نولر، بول كلوديل، بوجين برينو، بريشت، جين كوكتو، أرثرميلر، وآني هورنيمان، جين أنوي، وسومرست موم، لوجي أونيل، سارتر والبيركامي، ورورث شيرود، ومارك كوميلي، وعشرات الأسماء التي شكلت علامة لمسرح القرن العشرين الذي كان مزدهراً وذهبياً.

ولعل من أبرز كتاب القرن العشرين، جورج برناردشو، الإنجليزي الذي عمر طويلاً والذي ولد عام 1856، وتوفي عام 1950، وقد شغل (71) عاماً من الكتابة المسرحية المتألقة حتى أصبح اسمه أشهر من تشرشل أعظم رؤساء وزراء بريطانيا.

وكان شو مفعماً بالفكر الاشتراكي الجديد، وبخلفية نقدية، وتأسيس فني متعدد إذ كانت أمه مدرسة غناء وموهوبة بل ومشهورة أيضاً، وبرناردشو لم يلتزم بما كان عليه المسرح في زمانه بل عمل على أن يجعل للمسرح صورة جديدة.

ولم ينحن للتقاليد أو أن يكتب من أجل إرضاء السائد في حينه، فهو يريد أن يصنع حلمه المسرحي ومنهجه الذي نمى معه عبر قرن من الزمن وتجربة ثرية، حتى أن النقاد يجمعون على أن شو لم يثر المسرح العالمي فقط بمسرحياته ومنهجه إنما أعاد الكرامة والتفتح للمسرح.

وحقق المتعة للمشاهد، وتألق في نثره المسرحي وحماسه للمسرح، والخلاصة أن شو كان أحد عمالقة المسرح في القرن العشرين إلى جانب العمالقة الذين شكلوا بمجموعهم قاعدة من الكتابة المسرحية ستكون خزيناً للبشرية على مدى قرون قادمة.

أما المسرح العربي فقد كان مزدهراً منذ بداياته التي شهدت ولادات كبيرة لعدد من الكتاب والمخرجين والفنيين والممثلين، وقد شكلت الريادة الأساسية لتوفيق الحكيم وشوقي أساساً في نهضة مسرحية ثم ظهرت عشرات الأسماء موزعة على خارطة الوطن العربي وأن ذكر أحدهم قد يضعنا في مساءلة ضمير تجاه آخرين قد لا تتسع لهم مساحة هذه الزاوية.

والسؤال الذي يطرح نفسه ونحن ما زلنا في بدايات الألفية الثالثة ما الذي سينطوي عليه المسرح، في هذه الألفية الجديدة، محلياً وعربياً، وعالمياً؟

ليس هناك من مؤشر واضح لولادات.. ولا نستطيع أن نتكهن، لكن بالضرورة نعاصر المشهد المسرحي المستقبلي، فالعمر محدود ونحن من بقايا القرن الماضي.

abdulelah_q@hotmail.com