الوطن حروف الروح وشريان السطور، مفتاح يصحبنا إلى الأزمان الأبدية المقبلة، ويخبؤنا خلف متراس حداثته متوجا بتاريخه الرفيع وهو على يقين أن الوقت لا يعود أدراجه، وأن الماضي فاتحة الخلود، وأن النهوض فكرة موثقة الملكية ومسجلة الحقوق، وأن التشبث بالعزلة معضلة ليس لها جواب.

الوطن كتاب الرحمة القديمة، وخيار الإلهام المجرد الجديد؛ يمنح وجوهنا ملامح الكون حيث يؤوب الفكر من الشتات، وينصهر في دفتي كتاب يجول به ويغتنم من غذائه قوتا طيب المذاق. الوطن قدرة تزيل الخسارات، وتمضي لاستعادة صوت الظلال والجبال، وتحتمي بظهر كتاب..

هو شفاه الحرية الشاسعة، وهو مساحات من ضوء نحملق فيه فتنجلي أبصارنا ولا تنهار العيون. هو الكتاب الجبّار، والمشاعر التي لا تعرف التمرد ولا تخشى من العراء. هو الشاهد على النجوم والسحاب والسماء حتى يتنفس الصبح؛ فينفلق النهار الجدير بنا. بلا تهكم أو عبوس أو هَجْر.

ينطلق الوطن محملا بالصروح الغليظة، متهللا بالنظر الموغل في الغد، يثقب الذاكرة وينسج الوقت داعيا إلى خزائن من عيون جارية بأحسن الظن لآخر الصحراء. الوطن خيمة اليقين وهيبة الصالحين ومعبر إلى بوابة الوعي الشاهق حين يتلبسها شغف الظمأ المزمن إلى معين المعرفة، مذللا حواجز الحدود الفجة، مستفيقا من غيبوبة التهوين.

كتاب الوطن بصر شاخص إلى السماء، مطمئن الحواس، يتلو نصائح الشجعان واضعا على رأسه أرضا تخف لها الأمنيات والطاقات، ويهرع بها إلى رياض تتناهى فيها الرؤى شفافة كالهواء. بين جفنيه؛ تتناسل الأعوام فلا تنتهي حتى يستحيل المكان إلى مفردة عظمى، يغار منها المراس فتروضه في أبجدية الإيمان بين البشارة والراحة فيسترخي الحوار.

الكتاب عيون الوطن الفاحصة المدققة المتدفقة بالعنفوان والسخاء، المتعلقة بأشواق القفز إلى ما وراء المدار، المتخلصة من هراء الحظْر والحجْر وهيمنة الراء.

للوطن مواسم وأيام يمطرنا بالنجوم، وينفرد بإيقاد شعلة المشهد الجميل. ها هو يمسك بزمام أناقته، ويستعد بقلبه المزروع بالرمال، ملقيا تحية الغصن الأخضر، وممسكا دواة الاستذكار؛ ليرفع عن كاهله السقف الخفيض، ويدلف إلى صلب الشأن العظيم من أوسع الأبواب.

لا يغمض عينه الممعنة بالتطلع إلى ما بين الغيوم، ولا يلجم الحاجة المتذرعة حين تهرول إليه ينازعها الرَوْع والوَرَع. إنه كائن نحبه ونذرف من أجله الحروف والخفقات، يستوطننا ويخاطبنا فنستتب، نحني له رؤوسنا، وندرج على معاني ديباجته فلا نُحصي فضائله؛ غير أنا نتمادى في اقتناء غنائمه ومكارمه لتبقينا بين الحلم واليقين.

falhdaidi@albayan