تتزايد وتتجدد المخاوف من الانفتاح المتسع على العالم، ومما استدعاه هذا الانفتاح من تحديات، خاصة التهديدات الثقافية التي تتدخل في تكوين النسيج الفكري للشباب وصياغة ذهنية أجيال المستقبل. تحديات لمواجهة ما يطال تراث الأمة الحضاري، ومما يدفع عجلة التحول بسرعة قصوى.
ولعل ما يؤرق كثيراً من المهتمين بالشأن الثقافي ويشغل حيزا كبيرا من حياتهم هي التحديات التي تواجه الصحافة باعتبارها مطبخ تشكيل الوعي الإنساني وتكوين الرأي، وباعتبارها ميدانا واسعا وشائكا، الأمر الذي تصعب معه عمليات المواجهة.
وأول مصادر القلق هو كم المعلومات والأخبار المتدفقة بلا حدود عبر شبكة الانترنت؛ على الرغم من محاولات الضبط والتقنين من الجهات المهتمة بالحفاظ على الاعتبارات العقائدية والاجتماعية والخلقية، خاصة أن قليلا من هذا الدفق جيد وأكثره غث.
وقد يكون الحديث عن التحديات التي تواجه الصحافة الورقية قديما بعض الشيء؛ لكنه ما زال يشكل قلقا لدى كثير ممن هم على صلة بالصحافة المطبوعة. لم تشكل وسائل الإعلام السابقة - إذاعة وتلفزيون- مثل هذا القلق الذي يشكله الانترنت حتى غدا هاجسا؛ باعتباره وسيلة دفق معلوماتي مفتوحة وسريعة.
يؤكد المهتمون أن الانترنت تسيد الساحة، ونجح جهاز الكومبيوتر كآلة في ربط الكائن البشري وجعله يتعاطى معه بحميمية تفوق حميمية التعاطي مع ذويه بصلة الرحم.
ويخشى المعنيون من الفشل في محاولات إيجاد وسائل ناجعة من شأنها أن تبقي الاعتبار للصحيفة الورقية وتحتفظ بصلتها مع القارئ.
خاصة في ظل الدعوات المتصاعدة من المنظمات العالمية بضرورة توفير الانترنت لجميع فئات سكان العالم ومن كل الأجناس والمستويات الثقافية والعلمية والاجتماعية؛ فقراء كانوا أو أغنياء، مع ضرورة خفض تكلفة الانترنت إلى الحد الأدنى.
لا شك أن مثل هذه الدعوات تسيِّل لعاب رجال الاقتصاد والمستثمرين حيث وجدوا ضالتهم السائغة في هذه المجتمعات خاصة العالم الثالث باعتباره سوقا خصبة لاستثماراتهم كما كانت سوقا خصبة لمنتجات الدول الصناعية من قبل، إذ نجحت في إدخال منتجاتها من باب الإنسانية.
وتحوم علامة التعجب حول أولوية الحاجات لمجتمعات لا تزال ترزح تحت وابل أمية الأبجدية المتفشية.
يشير الإعلامي طالب شاهين، وهو أحد المتخوفين على مستقبل الصحيفة الورقية، إلى توقع الكاتب فيليب ماير بتلاشي هذه الصحيفة بحلول العام 2040م.
إن المخاوف لا تنصب على الصحيفة الورقية فقط، ولكنها أشمل، وتعم الإنسان والإنسانية كلها، لتتلاحق وراء ذلك التساؤلات.. لمَ نفتح أبوابنا على مصاريعها لمنتجاتهم وأفكارهم!؟ ولمَ ننحاز لإرضاء الآخر قبل أن نرضي أنفسنا!؟ لمَ نسع للإثبات له قبل أن نثبت لنا!؟
وحين يقع بنا الضرر؛ نبحث عن علاج لأذى جلبناه باستعدادنا وحماسنا للسبق في ركب الحداثة! لم يعنينا ضمير(هم) أكثر مما يعنينا ضمير.. نا (نحن)!؟
إن زيارة واعية لأي من الدول الصناعية والمتصدرة لمبدأ تعميم استخدام التقنية الحديثة؛ تكشف للمرء انحياز هذه الدول إلى الكثير من الجوانب التقليدية في حياة شعوبها، وتشجيعها على المحافظة عليها؛ بل وبعضها يقترب من البدائية أو لعلها الفطرة. ذلك لأن أصحاب هذه الصيحات يدركون حجم الضريبة التي سيدفعها الإنسان من صحته جراء الاعتماد على الآلة ومنها جهاز الكومبيوتر.
وقد بدأ الإفصاح عن أمراض حملت اسمه. إنها جماعات تدرك حجم الضريبة فلا تغامر بمقدراتها البشرية؛ لكي لا تتكلس أذهان شعوبها، ولا أن تعطب أرواحهم، ولا أن تتشوه أخلاقهم، ولا أن تتأثر سلوكياتهم وأفكارهم ومشاعرهم.
