على الرغم من بروز أسماء نسائية في مجال الإبداع الأدبي؛ وإثباتها لمكانتها الأدبية والثقافية؛ إلا أن النظرة المتشكِّكة في قيمة هذا الإنتاج لا تزال مهيمنة على ذهنية الكثير من حملة الأقلام المؤثرة.
ويبدو أن هذا الأمر يشكل أزمة للمهتمين بالشأن الثقافي، لينصب التركيز غالبا حول موهبة المرأة ومقدرتها على التعبير عن (قضاياها) من خلال إنتاجها الأدبي، وهو الطرح الذي لا خلاف عليه؛ لكنه يلمح إلى نَفَسٍ متشكك، إن لم يكن الدافع هو الرغبة في تأكيد وجود تلك المقدرة أو.. الموهبة.
لا شك أن مثل هذا الطرح المتكرر عبر وسائل الإعلام يُجَيَّر لصالح إنتاج المرأة الأدبي، فهو من جهة يُعيد إلى الذاكرة أسماء غابت عن مجال النشر على الأقل، ومن جهة أخرى ليكشف مدى تطور الفعل الإبداعي الذي وصل إليه إنتاج الكاتبة العربية عامة والإماراتية بشكل خاص.
كما أن الجميع يُدرك المراحل التي يمر بها الفعل الإبداعي، وتأثره بالحالات والعادات، وخضوعه للمعايير الأدبية المختلفة.
وما يُحسب لكاتبات وكتَّاب الإمارات، وباتفاق أكثر النقاد أنهم لم يهربوا من مواجهة القضايا الحية التي يواجهها الإنسان في عصرنا (لأن المتعارف في الأدب عموما هو الهروب (إلى فضاء المطلق الأدبي) وبذلك غالبا ما يقع الكاتب في التعميم، لكن معظم الأدب الإماراتي قام على التشخيص وخصوصية اللحظة التي يجسدها القَص والشعر وهما ابنا بيئة الكاتب) حسب الناقد د. رمضان بسطويسي محمد.
لكن السؤال الذي ما زال يُطرح..هل عبَّرت الكاتبة الإماراتية في أدبها عن قضاياها؟! ومنها قبل عقود؛ كانت معاناة التمييز بين الفتى والفتاة في فرص التعليم، وفرصة اختيارها لشريك الحياة، إلى جانب تقنين وتضييق مجالات مشاركتها في العمل العام، كل تلك وغيرها قضايا حُسِمت وعولجت منذ زمن، وقد رصدتها أقلام الكاتبات والكتاب.
أما اليوم فنحن أمام كم من القضايا المختلفة والمتنوعة، وهي في ذلك قضايا تعني المرأة كما تعني الرجل.. قضايا تَمَس المجتمع الإنساني عامة، وتؤثر في هيكل وبنية الواقع المحلي حتى الصميم، قضايا هي مواد الأقلام الأدبية الأساسية.
لكن لمَ تستمر النظرة المتشككة في موهبة المبدعة؟ حيث يُعلن صاحب أحد أبدع الأقلام في صحافتنا المحلية أن مصطلح (أدب نسائي) ـ بصرف النظر عن كوننا مع أو ضد هذا المصطلح ـ وهو (المصطلح الذي تنفرد به الثقافة العربية؛ إنما يهدف إلى التشهير وليس إلى التمييز) ويؤكد (أن ما تكتبه شاعراتنا وأديباتنا سيظل أدبا نسائيا حتى يمن الله عليهن بالموهبة والإبداع).
هذا القلم هو نفسه الذي أقر بموهبة غادة السمان في مطلع تجربتها الأدبية، وكتب في جريدة أخبار الكويت (حملة الدعاية التي تدعم غادة؛ مدعومة أيضا بموهبة غادة الأصيلة، وعطائها الجيد، ومقدرتها الإيحائية الفذة)!
إن مبدأ التعميم والتناقض هنا، والتغاضي عن الإسهامات الأدبية للمرأة العربية التي برعت وفي أكثر من فن أدبي مما لا تتسع المساحة لإدراجها؛ هو مبدأ مرفوض. وقد نشير إلى فن مقالة الرأي مثلا، ولعلها أصعب مجالات التحدي والإبداع، وفيها أسماء يشار لهن بالبنان، ومنهن من حملن مسؤولية الكتابة اليومية ليضعن أنفسهن في محرقة التعايش مع القضايا الحية.
فما بالكم برصيد من الإبداع الأدبي المتراكم من قص وشعر ورواية لكوكبة من الكاتبات العربيات، اللائي حرقن أصابعهن في مجامر الواقع المشتعل بالعنف، والتضخم الاقتصادي، والعولمة، والبطالة، والغلاء المعيشي، والأمن، والخصخصة، والنسيج البشري المتخالط... ثم ينبري من ذلك كله مَن يُشهر قلمه ويدرجهن في قائمة التشهير!
